أرست محكمة النقض المصرية، الدائرة الجنائية، في الطعن رقم 764 لسنة 93 قضائية، مبدأ قضائيا بالغ الأهمية يقضي بأن نشر صورة حكم قضائي صادر ضد شخص على موقع فيسبوك لا يشكل بذاته جريمة انتهاك حرمة الحياة الخاصة، وأنهت المحكمة القضاء بنقض إدانة المتهم وبراءته مما نسب إليه.
وجاء هذا المبدأ، بحسب ما أوردته صحيفة اليوم السابع في تقريرها المنشور بتاريخ 20 أكتوبر 2026، استنادا إلى حقيقة دستورية راسخة مفادها أن الأحكام القضائية تصدر باسم الشعب، وأن علنية القضاء من أركان العدالة وضماناتها، فلا يجوز اعتبار مستند قضائي صادر باسم الشعب معلومة من معلومات الحياة الخاصة المحمية قانونا لمجرد ورود اسم شخص فيه.
تفاصيل القضية أمام محكمة النقض
بدأت الواقعة حين قام أحد الأشخاص بنشر صورة ضوئية لحكم قضائي صادر ضد شخص آخر عبر موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك. وعلى إثر ذلك ووجهت إليه تهمة انتهاك حرمة الحياة الخاصة باستخدام وسائل تقنية المعلومات، استنادا إلى المادة 25 من القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات.
وبعد أن نظرت المحاكم الدرجة الأولى التهمة المنسوبة إلى المتهم، وصل الطعن إلى محكمة النقض التي انتهت، وفق ملخص الطعن، إلى نقض الحكم المطعون فيه والقضاء ببراءة المتهم، مرجحة أن مجرد إعادة نشر حكم قضائي أو الإشارة إلى مضمونه لا يكفي وحده لقيام جريمة انتهاك حرمة الحياة الخاصة.
ما الذي قررته المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات؟
تعاقب المادة 25 من القانون رقم 175 لسنة 2018 على عدد من الأفعال التي تمثل اعتداء على المبادئ أو القيم الأسرية أو انتهاكا لحرمة الحياة الخاصة وغيرها من الأفعال المنصوص عليها في المادة. غير أن المحكمة أكدت، فيما نقلته اليوم السابع عن ملخص الحكم، أن مجرد استخدام مواقع التواصل الاجتماعي أو نشر مستند قضائي لا يثبت الجريمة، بل يجب توافر أركان الفعل المؤثم قانونا كاملة.
وهذا التمييز الدقيق بين الفعل والجريمة يعكس نضجا قضائيا يحفظ التوازن بين حرية تداول المعلومة القضائية الصادرة باسم الشعب وبين حماية الحياة الخاصة المصونة شرعا وقانونا، وهو توازن تقرر في الشريعة الإسلامية قبل أن تعرفه القوانين الوضعية، إذ جعلت الشريعة العرض حرما مكفولا لا يجوز انتهاكه بغير حق.
هل يجوز نشر حكم قضائي يتضمن اسم شخص وبياناته؟
الأصل أن علانية القضاء وصدور الأحكام باسم الشعب من ضمانات العدالة، لكن ذلك لا يلغي الحماية القانونية المقررة للبيانات الشخصية والحياة الخاصة. وقد تختلف المسؤولية القانونية بحسب طبيعة البيانات المنشورة، وما إذا كان الحكم يتعلق بمسائل تخضع لقيود قانونية خاصة، أو تضمن النشر معلومات خاصة لا ضرورة لكشفها.
فبراءة محكمة النقض للمتهم في هذه الواقعة لا تعني إباحة نشر جميع الأحكام القضائية دون قيود، إذ يجب مراعاة طبيعة الحكم والبيانات التي يتضمنها والقيود القانونية المتعلقة بالنشر والخصوصية، فالإطلاق في هذا الباب باب للفتن وإشاعة الفضائح بما يغري بالتتبع.
الفرق بين نقل الحكم والتشهير بصاحبه
يستلزم القضاء التفرقة بين نقل مضمون حكم قضائي بصورة صحيحة وبين استخدامه في منشور يتضمن سبا أو قذفا أو معلومات مضللة أو إفشاء بيانات يحظر القانون نشرها. فالحكم بالبراءة من جريمة انتهاك حرمة الحياة الخاصة في واقعة معينة لا يمنع بالضرورة قيام مسؤولية قانونية عن أفعال أخرى مستقلة إذا توافرت أركانها.
وفي هذا السياق، سبق لمحكمة صلح جزاء عمان في الأردن أن قضت، كما نقلت صراحة نيوز، بحبس رجل في الستينيات من عمره ثلاثة أشهر بعد إدانته بنشر عبارات عبر حسابه على فيسبوك اعتبرتها المحكمة ذما وقدحا وتحقيرا، وهو ما يؤكد أن الخطاب المضاف إلى المستند القضائي هو محل المساءلة لا المستند ذاته.
كما شهد المغرب اجتهادا مماثلا في التمييز بين الوقائع، إذ يعاقب الفصل 447-3 من القانون الجنائي على افتراء الوقائع كاذبة بحقش من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من 5.000 إلى 50.000 درهم، وهو ما رصدته مدونة Bibliotdroit في تحليلها لاجتهادات محكمة النقض المغربية بشأن التشهير عبر فيسبوك وواتساب.
ماذا ينبغي مراعاته قبل نشر حكم قضائي على مواقع التواصل؟
يوصي القانونيون بالتأكد من صحة الحكم ومضمونه قبل نشره، وعدم تحريف منطوقه أو نسب وقائع إليه لم يتضمنها، مع مراعاة إخفاء البيانات الشخصية غير الضرورية والتحقق من عدم وجود حظر قانوني على النشر. وينبغي كذلك التمييز بين الأحكام النهائية وغير النهائية، وعدم تقديم الأحكام القابلة للطعن باعتبارها حسما نهائيا للنزاع.
وتزداد هذه الضوابط أهمية في عصر صارت فيه وسائل التواصل الاجتماعي ساحة رئيسية لتداول القضايا والأحكام، حيث قد يتسارع نشر المستندات القضائية قبل تحقق النظر فيها أو اكتسابها الدرجة القطعية، بما يعرض أصحابها لمساءلات كان يمكن تفاديها بالتثبت والتروي.
حصيلة المبدأ القضائي
يُستفاد من حكم محكمة النقض أن نشر حكم قضائي لا يشكل بذاته جريمة انتهاك حرمة الحياة الخاصة لمجرد أن الحكم يتعلق بشخص معين، وإنما يتعين على المحاكم بحث طبيعة النشر ومدى توافر أركان الجريمة المنصوص عليها في القانون.
فنشر الحكم عبر فيسبوك لا يعني تلقائيا ارتكاب جريمة انتهاك الخصوصية، لكن صدور الأحكام باسم الشعب لا يمنح في المقابل حصانة مطلقة لأي منشور يتضمن بيانات شخصية محمية أو سبا أو قذفا أو مخالفة لقيود النشر القانونية. وتبقى العبرة، كما استقر قضاء النقض، بتحقق أركان الجريمة لا بمجرد الفعل المادي المجرد عن قصده المؤثم.
أسئلة شائعة
هل نشر حكم قضائي على فيسبوك جريمة؟
لا، فقد قضت محكمة النقض المصرية في الطعن رقم 764 لسنة 93 قضائية بأن نشر حكم قضائي لا يشكل بذاته جريمة انتهاك حرمة الحياة الخاصة، ما دام النشر خاليا من السب أو القذف أو إفشاء بيانات محمية.
هل يمكن المساءلة عن التشهير عبر منشور يتضمن حكما قضائيا؟
نعم، إذا أضاف الناشر عبارات سب أو قذف أو معلومات مضللة إلى الحكم المنشور، فإن المسؤولية تقوم عن هذا الفعل المستقل ولو كان الحكم ذاته صحيحا.
ما عقوبة انتهاك حرمة الحياة الخاصة في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات؟
تعاقب المادة 25 من القانون رقم 175 لسنة 2018 على أفعال الاعتداء على المبادئ والقيم الأسرية وانتهاك حرمة الحياة الخاصة، شريطة توافر أركان الجريمة كاملة لا مجرد استخدام وسائل التقنية.
