تتجه أسعار النفط نحو مزيد من المعاناة ما دام الشرق الأوسط رهين عدم الاستقرار، في ظل المواجهة الأمريكية الإيرانية واضطراب الملاحة في مضيق هرمز والتصعيد الحوثي ضد المملكة العربية السعودية، وفق تحليل نشره الدكتور جمال القليوبي في صدى البلد بتاريخ 19 أكتوبر 2026. فالبرميل المنتج لا يصبح إمدادا متاحا للمستهلك إلا عندما يصل إلى وجهته بأمان وفي موعده، وهنا تتحول المخاطر الجيوسياسية إلى عنصر اقتصادي مؤثر في التسعير والسيولة المالية للدول.
وقد امتدت تداعيات المواجهات إلى منشآت الطاقة وخطوط الأنابيب والموانئ ومسارات الناقلات، لتصبح سلامة البنية التحتية النفطية وانتظام التصدير من أبرز التحديات التي تواجه المنطقة والأسواق العالمية. ولا تنتهي آثار استهداف المنشآت بانتهاء الهجوم؛ إذ يحتاج الإصلاح إلى وقت وتمويل وقدرات فنية، بينما يفرض احتمال تكرار الاعتداء تكاليف إضافية للحماية والتأمين، ما يجعل استعادة الإنتاج شيئا مغايرا لاستعادة الاستقرار.
المملكة العربية السعودية.. عمود الإنتاج وصمام الأمن العالمي
تحتل السعودية موقعا محوريا في هذه المعادلة باعتبارها أحد أعمدة الإنتاج والتصدير عالميا، وأي استهداف لأنابيبها أو مصافيها أو موانئها النفطية ينعكس على ثقة المشترين ويتجاوز أثره حدود المملكة إلى الدول المستوردة وسلاسل الإنتاج العالمية. وبهذا الصدد، تناولت الصحافة الأمريكية الموازنة الصعبة بين متطلبات الأمن والطموحات الاستثمارية للمملكة، في إشارة إلى ما تمثله رؤية 2030 من مشروع وطني يحتاج إلى بيئة آمنة ومستقرة كي يزدهر.
وحذر التحليل من أن طول أمد الصراع قد يرفع نفقات الدفاع وإصلاح المنشآت وتزاحم الموارد المخصصة للتنمية والتنويع الاقتصادي، وهو ما يفتح خطر الانزلاق نحو بعض سمات اقتصاد الحرب، دون أن يثبت أن الاقتصاد السعودي تحول فعلا إلى اقتصاد حرب شامل. فصلابة الاقتصاد الوطني، المدعومة بخطط الدولة الطموحة، تجعل المملكة قادرة على امتصاص الصدمات التي أضعفت غيرها.
تعافي الإنتاج الخليجي ومخاوف الاستدامة
سجل الإنتاج الخليجي تعافيا خلال سبتمبر، وأظهر تقرير أوبك الصادر حديثا تعافي إنتاج أوبك بلس بقيادة السعودية، لكن تجدد المخاطر البحرية أثار الشكوك بشأن استدامة هذا التحسن. ويتمثل الخطر في فقدان هذا التقدم إذا استمر التصعيد، وليس في الجزم بعجز دائم عن الوفاء بالإمدادات.
وأوضح التحليل ضرورة التمييز بين الطاقة الإنتاجية والحصص المستهدفة والكميات المسلمة فعليا؛ فقد يستطيع المنتج زيادة الضخ بينما يمنع تعطل الأنابيب أو الموانع وصول جزء منه إلى المشترين. كما تضاف معضلة تعويض المخزونات الاستراتيجية، إذ يخفف السحب من الاحتياطيات الصدمة مؤقتا لكنه يقلص هامش الأمان ويخلق حاجة مستقبلية لإعادة الملء.
وفي هذا السياق، ذكر الدكتور القليوبي تصريح رئيس أرامكو أمين الناصر في مؤتمر الطاقة بالرياض، الذي قال فيه إن إعادة بناء المخزونات الاستراتيجية بالتزامن مع تلبية الطلب قد تستغرق ما يصل إلى نحو عامين، وهو تقدير للتحدي العالمي وليس موعدا مضمونا لتعويض كل احتياطي وطني لكل دولة.
ما هي سيناريوهات أسعار برنت؟
رصد التحليل عدة مسارات مشروطة لأسعار برنت خلال السنتين المقبلتين. ففي سيناريو التهدئة المستمرة وانتظام الملاحة وتعافي الإنتاج والتكرير، قد يتحرك السعر بين 65 و85 دولارا بعد انحسار الأزمة. وفي سيناريو استمرار الاضطرابات المتقطعة مع طلب إعادة التخزين وارتفاع تكاليف النقل، فقد يبقى السعر بين 85 و110 دولارات مع قفزات مؤقتة أعلى.
أما في حالة التصعيد الواسع وتعطل الصادرات لفترة ممتدة، فقد يصل برنت إلى ما بين 120 و150 دولارا خلال ذروة الأزمة دون أن يعني ذلك بقاؤه عند هذه المستويات طوال العام. وفي المقابل، قد يؤدي تباطؤ اقتصادي قوي مع استعادة المعروض إلى نطاق يتراوح بين 55 و70 دولارا. وهذه نطاقات تحليلية افتراضية وليست توقعات رسمية أو متوسطات سنوية محسوبة.
وتشير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية في إصدار أكتوبر إلى توقع وصول البرميل إلى نحو 84 دولارا لبرنت في المتوسط لعام 2027، اعتمادا على تحسن الإمدادات وانفراج حركة الملاحة، بينما تظل تقديرات عام 2028 أكثر غموضا وتحتاج إلى المراجعة مع تغير الأحداث العالمية.
مسار الأسواق اليوم
وتتسق هذه القراءة مع حركة الأسواق الفعلية؛ فقد
