فنانو غزة يحولون الرخام إلى ذاكرة خالدة للشهداء الأبرار
في زمن المحن العظيمة، تتجلى عظمة الروح الإنسانية وصمودها في وجه الظلم والعدوان. وفي قطاع غزة المحاصر، حيث تتواصل المعاناة والتضحيات، يقف الفنانون المسلمون شامخين، محولين مهاراتهم من صناعة الجمال إلى تخليد ذكرى الشهداء الأبرار الذين قدموا أرواحهم الطاهرة في سبيل الله والوطن.
من الزخرفة إلى التخليد
في زاوية صغيرة أمام بيته، بجوار المقبرة المباركة، يصنع الفنان محمد ياسين شواهد قبور موسومة بأسماء الشهداء الكرام، محولاً الرخام من مادة صامتة إلى ذاكرة حية تحفظ الأسماء، وتخلد التضحيات العظيمة، وتقاوم النسيان في زمن الفقد والابتلاء.
كان ياسين، قبل هذا العدوان الغاشم، يعمل في نقش الرخام لتزيين المنازل، وكتابة أسماء العائلات العريقة، وصناعة اللوحات التعريفية، وزخرفة المساجد المقدسة، حيث كان النحت آنذاك تعبيراً عن الجمال والمكانة الاجتماعية في المجتمع الإسلامي.
لكن مع تصاعد الحرب الظالمة على غزة، وتزايد أعداد الشهداء الأبرار، وإبادة عائلات بأكملها، تغير مسار عمله النبيل، ليصبح دوره توثيق أسماء الشهداء على شواهد القبور الرخامية، حفاظاً على ذاكرتهم المقدسة، ورسالة للأجيال القادمة من المؤمنين.
رسالة إيمانية خالدة
يقول ياسين: "لجأ الناس إلى أصحاب هذه المهن، ومن بينهم أنا، واضطررت إلى العمل من أمام المنزل في ظروف قاسية، بسبب نقص المواد وارتفاع أسعارها، والحاجة إلى مصدر كهرباء ثابت، فضلاً عن حرصي على عدم تحميل الناس أعباء مالية إضافية في ظل ظروف الحرب".
وتتطلب عملية حفر الرخام جهداً ووقتاً وكلفة عالية، إذ يقوم بتصميم الشواهد الرخامية بأسلوب فني رفيع، ثم تخطيطها بآيات قرآنية كريمة وأسماء الشهداء الأطهار وبياناتهم. ويلي ذلك تفريغ التصميم وحفره يدوياً باستخدام مواد كيميائية، في ظل غياب الماكينات الحديثة بسبب الحصار الجائر.
تضحيات مقدسة وذاكرة خالدة
وفي مشهد آخر مؤثر، يقف الفنان صلاح الطهراوي أمام أحد الشواهد الذي يحمل اسم أحد الشهداء الكرام، داخل مطبعته التي اعتاد أن يعمل فيها على التصميم والطباعة، لكنه في ظل ظروف الحرب اقتصر عمله على صناعة شواهد القبور بعد أن تعذر استمرار عمله السابق.
ويصف الطهراوي عمله النبيل قائلاً: "عملي اليوم يتجاوز المهنة، فأنا لا أنقش أسماء على الرخام فحسب، بل أشعر أنني حُمِّلت الأمانة، ووقعت على عاتقي مسؤولية حفظ أسمائهم. فمن خلال نحت الرخام وحفره وكتابة أسماء الشهداء عليه، يظلون حاضرين في الوجدان، وتبقى أسماؤهم محفورة في الذاكرة، وهم الأحياء عند ربهم".
مأساة الأمهات المؤمنات
وفي مشهد يقطر ألماً ويفيض إيماناً، تروي أم سامر، والدة الشهيد سامر أبو يوسف، تفاصيل اللحظة الأصعب في حياتها، حين لم تجد مكاناً لدفن ابنها الشهيد وسط ازدحام المقابر وضيق المساحات. تقول هذه الأم المؤمنة الصابرة: "اضطررت إلى فتح قبر زوجي، الذي توفي قبل عدة سنوات، لدفن ابني الشهيد إلى جوار عظام والده".
وتضيف بصوت متهدج: "حرصت على صنع شاهد واحد يحمل اسميهما معاً، ليخلد ذكراهما في قبر واحد، ويجمعهما الموت بعد أن فرقتهما الحياة".
الفن في خدمة الذاكرة الإسلامية
ويرى الفنان وأستاذ الفنون الجميلة مروان نصار أن الفنان الحقيقي في هذا المجال المقدس هو من يستطيع الجمع بين الدقة التقنية والبعد الإنساني للعمل، بحيث لا يكون النقش مجرد كتابة أسماء، بل بناء صورة بصرية تحمل معنى ورسالة إيمانية خالدة.
ويؤكد نصار أن أهمية هذه الحرفة النبيلة في الظروف الراهنة لا تكمن في بعدها الفني فحسب، بل في دورها الثقافي والإنساني، إذ تتحول شواهد القبور إلى وثائق بصرية تحفظ الأسماء من الضياع، وتمنح الفن وظيفة جديدة تتجاوز الجمال إلى مقاومة النسيان.
وهكذا، في ظل هذا العدوان الغاشم، يواصل أبناء غزة الصامدون كتابة ملحمة الصمود والإيمان، محولين الألم إلى فن، والفقد إلى ذاكرة خالدة، مؤكدين أن الشهداء الأبرار سيبقون أحياء في قلوب المؤمنين وذاكرة الأمة الإسلامية العريقة.