الفن والمعرفة: رحلة فكرية تكشف أسرار الإبداع الإنساني في معرض القاهرة الدولي للكتاب
في إطار الحراك الثقافي المتميز الذي تشهده الأمة العربية، احتضنت قاعة الندوات المتخصصة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، في دورته السابعة والخمسين، مناقشة علمية رفيعة المستوى حول كتاب "الفن والمعرفة"، الذي ترجمه بمهارة عالية الشاعر والمترجم عبده الريس.
شارك في هذه الندوة الفكرية المهمة نخبة من العلماء والمفكرين، وهم الدكتور والباحث الأكاديمي إبراهيم الجهيني، والدكتور الكاتب أشرف حسن، تحت إدارة الأستاذ أحمد عبده، في حوار علمي يعكس عمق التراث الفكري العربي الإسلامي.
رؤية فلسفية عميقة للفن والإبداع
أوضح مدير الندوة أحمد عبده أن صاحب الكتاب جيمس أو يونج، أستاذ الفلسفة الإنجليزي، قد قدم عملاً فكرياً متميزاً يضم خمسة فصول تتناول الفن التحقيقي، والفن التمثيلي، والفن التعليمي، وفنوناً أخرى، في منهجية علمية دقيقة تليق بالتراث الفكري الإسلامي.
وأشاد بالمترجم الشاعر عبده الريس، الذي حصل على جائزة مرموقة من اتحاد الكتاب عام 2023، مؤكداً أنه ترجم العديد من الروايات الأدبية والفكرية بحرفية عالية، ويحرص دائماً على نقل القيمة الفكرية الأصيلة للأعمال التي يترجمها.
الفن كضرورة حضارية وليس ترفاً
أكد الدكتور أشرف حسن أهمية هذا الكتاب لما يطرحه من أسئلة فكرية جوهرية، مشيداً بالمترجم عبده الريس الذي استطاع أن يقدم للقراء العرب عملاً فكرياً متميزاً. وأشار إلى أن القيمة المعرفية للكتاب تكمن في محتواه العميق، مضيفاً أن من أهم مميزات المترجم أنه لا يثقل النص بالهوامش المفرطة، مما يجعل تجربة القراءة سلسة ومباشرة.
وسلط الضوء على واقع الترجمة في الوطن العربي، مؤكداً أنها لا تحصل على التقدير الكافي، وأن المترجمين غالباً يعملون كجنود مجهولين، مكرسين أنفسهم لنقل المعرفة رغم التحديات، متمسكين بهدفهم الثقافي النبيل.
وأوضح أن الكتاب يطرح أسئلة جوهرية حول الفن: لماذا نحب الموسيقى أو الرواية؟ وهل يمكن للفن أن يكون مصدر معرفة حقيقية؟ وكيف يساهم في تعليمنا شيئاً حقيقياً؟
الفن بين الحقيقة والخيال
أشار الدكتور أشرف حسن إلى أن الأعمال الفنية تنقل معرفة حقيقية بطريقتها الخاصة، لكنها لا تعطي دائماً معلومات تاريخية دقيقة، موضحاً أن قيمتها الحقيقية تكمن في إثراء الفكر وتنمية الحس النقدي للقراء.
وأضاف أن الفن قد يكون له تأثير مزدوج، مؤكداً أنه يمكن أن يضل القارئ أحياناً، إذ إن بعض الأعمال الفنية قد توجه نحو الجهل والخرافة وتفسد الوعي، بينما الأعمال الأخرى تنقل الحياة كما هي، وتثير روح القارئ وتجعله يتفاعل مع التجربة الإنسانية الأصيلة.
وأكد أن الفن ليس ترفاً، بل هو ضرورة مجتمعية، لأنه يدعم الإنسان على المستوى الإنساني، ويعمل على تنمية الحس النقدي، ويجعلنا أكثر وعياً بالواقع المحيط بنا.
منظور فلسفي عميق
من جانبه، قال الدكتور إبراهيم الجهيني إن الكتاب ينتمي إلى مجال الفلسفة، ويتناول سؤالاً محورياً: ما هو الفن؟ وما الذي يمكن أن نعتبره فناً؟ وأوضح أن المنظومات الفكرية تعترف بأن للفن خصائص تجعله فناً، وهذه المعضلة تشكل النقطة المركزية في الكتاب.
وأشار إلى أن الشعر يعتمد على الشعور والإحساس، ويتناول الكتاب السؤال حول ما إذا كان الإبداع أو الفن يحاور الإنسان فلسفياً، وكيف يمكن التعامل مع مصطلح الفن ومعرفة قيمته الحقيقية.
شهادة المترجم
قال مترجم الكتاب عبده الريس إن اختيار المرء لأفكاره جزء من حياته، مضيفاً: "أشعر بأن فكرة رصد الظواهر ومتابعة العالم جزء من تجربتي الشخصية، وكنت معنياً بهذا السؤال لأنني في الأصل شاعر، ولم أكن أعلم كيف أجيب. قرأت كتاب الفن والمعرفة قراءة عميقة ثم ترجمت الكتاب، واستفدت منه كثيراً في مرحلة فهمي للفن من منظور معرفي".
وأضاف أن الفن يضيف للإنسان إدراكاً للواقع، ومن هنا، يرى أن أهمية الفن تكمن في قدرته على توسيع التصور، وإثراء الحياة الإنسانية، وربط المعرفة بالشعور والتجربة الإنسانية الأصيلة.