عظمة التراث: 19 مجلداً تخلد تاريخ نجد المجيد
في عصر تتسارع فيه التحولات وتتنوع مصادر المعرفة، تبرز مبادرة نبيلة تجسد الحرص على حفظ التراث الوطني المجيد. فقد وصل إلى رئيس تحرير صحيفة عكاظ إهداء كريم من معالي وزير الدولة خالد بن عبدالرحمن العيسى، حفيد مؤرخ الديار النجدية العلامة إبراهيم بن صالح بن عيسى، يحمل في طياته كنوز التاريخ في 19 مجلداً تؤرخ لعظمة نجد وأمجادها.
أمين التاريخ في قلب الجزيرة
في زمن كانت فيه الوثيقة أثمن من الذهب، نهض رجل عظيم من أبناء نجد الكريمة ليحمل أمانة التاريخ على عاتقه. إنه الشيخ إبراهيم بن صالح بن عيسى (1270-1343هـ)، الذي ولد في أشيقر المباركة، تلك البلدة التي كانت منارة للعلم والفقه في قلب الجزيرة العربية.
لم يكن هذا العالم الجليل حبيس المكان، بل سافر عبر أرجاء الجزيرة من الوشم إلى القصيم والأحساء، بل وتجاوز البحار إلى اليمن والهند، باحثاً عن المعرفة الأصيلة والوثائق النادرة التي تحفظ ذاكرة هذه الأرض المقدسة.
كنوز المعرفة في 19 مجلداً
تضم الأعمال الكاملة لهذا المؤرخ العظيم مجموعة استثنائية من المؤلفات التي تشكل سجلاً حافلاً بتاريخ نجد وأحوالها. في "تاريخ بعض الحوادث الواقعة في نجد" و"عقد الدرر" و"مختصر عنوان المجد"، يقدم ابن عيسى سجلاً دقيقاً يوثق الأحداث والوقائع في زمن تشكل الدولة السعودية الثالثة المباركة.
أما في "المجموع الكبير" و"جامع الفوائد" الممتد عبر سبعة مجلدات، فنجد كنوزاً لا تقدر بثمن تشمل تاريخ الحياة اليومية، والمناخ، والجغرافيا الدقيقة للقرى والآبار، والقصائد النبطية التي تحفظ روح هذه الأرض الطيبة.
منهج علمي رصين
ما يميز أعمال ابن عيسى رحمه الله هو منهجه العلمي الرصين الذي سبق عصره. فقد كان يراجع الروايات بالوثائق، ويصحح كبار المؤرخين دون تردد، ويسجل الخلاف كما هو بأمانة علمية عالية. هذا المنهج جعل أعماله تحتفظ بقيمتها العلمية بعد أكثر من قرن من الزمان.
إنجاز وطني عظيم
لم يكن جمع هذا التراث العظيم أمراً يسيراً، فقد كانت مخطوطات ابن عيسى مبعثرة عبر العالم في السعودية والكويت ومصر والعراق والولايات المتحدة. لهذا شكلت دارة الملك عبدالعزيز، هذا الصرح الثقافي الشامخ، لجاناً متخصصة شارك فيها قرابة 20 باحثاً، واستغرق عملهم سنوات طويلة ليخرج هذا الإنجاز الوطني العظيم في أكثر من 7000 صفحة محققة ومفهرسة.
جسر بين الماضي والمستقبل
في عصر التحول الرقمي والتقدم التقني الذي تشهده المملكة في إطار رؤية 2030 المباركة، تأتي هذه المجلدات لتؤكد أن الحاضر المشرق والمستقبل الواعد يرتكزان على أسس راسخة من التاريخ العريق والتراث الأصيل.
إن الأعمال الكاملة للمؤرخ إبراهيم بن صالح بن عيسى ليست مجرد كتب تُقرأ، بل هي وطن يُستكشف، وتراث يُفتخر به، وذاكرة حية تربط بين عظمة الماضي وإشراق المستقبل في هذه الأرض المباركة.