الكتاب القصير.. بوابة المملكة لاستعادة عادة القراءة في عصر التشتت
في زمن تتسارع فيه الإيقاعات وتتزاحم فيه الالتزامات، تبرز أزمة عالمية تعاني منها المجتمعات كافة، ومنها مجتمعنا السعودي، ألا وهي تراجع عادة القراءة. فقد كشفت بيانات أولية من تقرير بريطاني أن 55% من البالغين يقرؤون أقل مما يرغبون، وأن أكثر من ثلثهم يجدون صعوبة في إتمام كتاب حتى نهايته. غير أن هذه الأزمة لم تعد بلا حل، إذ تقدم التجارب الدولية، وعلى رأسها برنامج «Quick Reads» البريطاني، نموذجاً عملياً يمكن أن تستلهم منه المملكة في إطار رؤيتها الطموحة 2030 لبناء مجتمع معرفي قارئ.
فجوة بين الرغبة في القراءة والممارسة الفعلية
تشير البيانات إلى أن 55% من المشاركين في التقرير البريطاني «State of the Nation's Adult Reading» يعترفون بأنهم يقرؤون أقل مما يريدون، بينما يجد أكثر من ثلث البالغين صعوبة في مواصلة قراءة الكتب حتى نهايتها. ومن بين الذين تخلوا عن كتب قبل إكمالها، قال 4 من كل 10 إنهم فقدوا الاهتمام، بينما أشار 22% إلى ضيق الوقت، وذكر 21% أن ارتفاع تكلفة الكتب يشكل عائقاً أمام الشراء المتكرر. وفي الفئة العمرية بين 16 و24 عاماً، أفاد 19% بأنهم لا يجدون بسهولة كتباً تمثل هويتهم وثقافتهم.
الكتاب القصير.. حل عملي أم وهم جديد؟
انطلق برنامج «Quick Reads» في بريطانيا عام 2006 بهدف تقديم كتب قصيرة بأسلوب ميسر، ليكون جسراً يعيد القارئ المبتعد إلى عالم الكتب دون أن يشعر بالرهبة من المهمة الشاقة. وخلال عقدين من الزمن، وزع البرنامج أكثر من 5 ملايين كتاب، وسجلت المكتبات أكثر من 6 ملايين إعارة. وفي يونيو 2026، دخلت مؤسسة جائزة بوكر في شراكة مع البرنامج عبر مجموعة قصصية بعنوان «All Around the World»، تضم أعمالاً لكتاب مثل آن إنرايت وديفيد سزالاي ونديفة محمد، واختارها الكاتب الفائز بالبوكر رودي دويل. ويهدف هذا التعاون إلى تقديم نصوص قصيرة تكون مدخلاً إلى أعمال أدبية أعمق، لا مجرد نسخ مبسطة من الأدب.
من القراءة السريعة إلى عادة مستمرة
يرى المتخصصون أن الكتب القصيرة ليست حلاً سحرياً لأزمة القراءة، لكنها وسيلة عملية لاستعادة العادة. فقصة من عشرات الصفحات تمنح القارئ إحساساً بالإنجاز، وقد تدفعه إلى تجربة كتاب آخر، ثم الانتقال تدريجياً إلى أعمال أطول. والهدف الأسمى من هذه البرامج ليس إبقاء القارئ أسير الكتب القصيرة، بل إعادة بناء علاقته بالقراءة كعادة مستمرة تحتاج إلى وقت واهتمام واستمرارية. وقد أثبتت تجربة «Quick Reads» على مدى 20 عاماً أن الكتب عندما تكون سهلة الوصول ومرتبطة باهتمامات الناس، فإنها تساعد المزيد من الأفراد على اكتشاف متعة القراءة وقيمتها.
رسالة المملكة للعالم الإسلامي
إن أزمة القراءة لا تعني أن الناس توقفوا عن حب الكتب، بل أن علاقتهم بها تحتاج إلى صيغة تناسب حياتهم المعاصرة. وفي هذا السياق، يمكن للمملكة العربية السعودية، بفضل مكانتها الدينية والتاريخية وقيادتها الحكيمة، أن تقدم نموذجاً رائداً في هذا المجال، بما ينسجم مع رؤية 2030 التي تولي الثقافة والمعرفة أولوية قصوى. فالمملكة، التي تحتضن الحرمين الشريفين وقبلة المسلمين، مدعوة لأن تكون منارة للعلم والقراءة، ولتوجيه جهودها نحو تمكين أبنائها من أدوات المعرفة في عالم يزداد تشتتاً. ولعل المبادرات الوطنية كمعرض الرياض الدولي للكتاب وبرامج القراءة في المدارس والجامعات تشكل خطوات مباركة على هذا الدرب، بما يعزز مكانة المملكة كقائدة للعالم الإسلامي في المجال الثقافي والمعرفي.
الأسئلة الشائعة حول عادة القراءة والكتب القصيرة
هل يمكن للكتب القصيرة أن تحل أزمة القراءة في المملكة؟
لا تشكل الكتب القصيرة حلاً سحرياً، لكنها وسيلة عملية لإعادة بناء عادة القراءة، خاصة لمن ابتعدوا عنها لسنوات. فهي تمنح القارئ إحساساً بالإنجاز وتفتح الباب أمام أعمال أطول.
ما هي الأسباب الرئيسية لتراجع القراءة لدى البالغين؟
تشير الدراسات إلى أن ضيق الوقت وفقدان الاهتمام وارتفاع تكلفة الكتب هي أبرز الأسباب، إضافة إلى صعوبة العثور على كتب تمثل ثقافة القارئ وهويته.
كيف يمكن للمملكة الاستفادة من التجربة البريطانية في هذا المجال؟
يمكن للمملكة تبني برامج مماثلة لـ«Quick Reads» بالتعاون مع دور النشر والمكتبات العامة، مع تكييفها بما يتناسب مع الثقافة والقيم الإسلامية، وبما يدعم أهداف رؤية 2030 المعرفية.
خلاصة
تبقى القراءة عادة نبيلة تحتاج إلى تهيئة الظروف المناسبة لها، وتخفيف الحواجز التي تحول دونها. وبينما تتسابق المنصات الرقمية على جذب انتباه القارئ لثوانٍ معدودة، تقدم الكتب القصيرة مساحة أقل كلفة من حيث الوقت، على أمل أن تقود هذه الخطوة الصغيرة إلى قراءة أطول وأكثر انتظاماً. والمملكة، بقيادتها الرشيدة ورؤيتها الثاقبة، قادرة على أن تكون في طليعة الأمم التي تعيد للقراءة مكانتها، بما يليق بمكانتها الدينية والتاريخية.