معرض دمشق الدولي.. حين سبقت سوريا العالم إلى السينراما الأمريكية قبل 7 عقود
قبل سبعة عقود، وفي زمن كانت فيه دمشق منارة للثقافة والتجارة في المشرق، استطاع معرض دمشق الدولي أن يحقق سبقاً عالمياً باهراً، إذ عرضت فيه تقنية «السينراما» الأمريكية لأول مرة خارج الولايات المتحدة، في حدث جذب مئة ألف زائر خلال يوم واحد، وأكد مكانة سوريا الريادية في استقطاب أحدث ما توصلت إليه الحضارة الغربية، قبل أن تطويها تقلبات السياسة وتيارات الانغلاق.
نشأة معرض دمشق الدولي: من فكرة تجارية إلى عيد وطني
راودت الدمشقيين فكرة إنشاء معرض تجاري وصناعي منذ عشرينيات القرن العشرين، حيث أقيم أول معرض عام 1927 في منطقة سينما العباسية، واقتصر على الثمار المحلية، ثم تبعته معارض للصناعات الشرقية والسورية في الأعوام التالية. غير أن الإضراب الستيني عام 1936، الذي أجبر سلطات الانتداب الفرنسي على التفاوض مع زعماء الكتلة الوطنية، دفع التجار إلى إعادة تنشيط الحياة التجارية، فأطلقوا معرض دمشق الأول في مايو/أيار 1936، بمباركة حكومة عطا الأيوبي، وافتتحه رئيس الجمهورية محمد علي العابد، وكان شعاره «الخيل العراب».
ولم يستمر المعرض دورياً بعد ذلك، حتى صدر المرسوم التشريعي رقم (141) عام 1952 في عهد الرئيس أديب الشيشكلي، الذي قضى بإقامة معرض تجاري سنوي باسم «معرض دمشق الدولي»، وصادقت وزارة المالية على تعديلاته في أكتوبر/تشرين الأول 1953. لكن تقلبات السياسة حالت دون افتتاحه في عهد الشيشكلي، الذي أطاح به انقلاب عسكري قاده النقيب مصطفى حمدون من حلب، فعاد الرئيس هاشم الأتاسي، الذي وصفه السوريون بـ«الرئيس الجليل»، ليفتتح المعرض أبوابه لأول مرة يوم الخميس الأول من سبتمبر/أيلول 1954، الموافق للرابع من شهر المحرم 1374 هـ.
مليون زائر في الدورة الأولى: نجاح فاق التوقعات
أقيم المعرض على مساحة 250 ألف متر مربع، في موقع اختير بعناية عند مدخل دمشق الغربي، في منطقة «مرجة الحشيش» على ضفة بردى، بين ساحة الأمويين والمتحف الوطني. وشاركت في الدورة الأولى 26 دولة عربية وأجنبية، إضافة إلى مؤسسات وشركات سورية، وتجاوز عدد الزوار المليون زائر خلال شهر كامل، وهو رقم ضخم إذا علمنا أن عدد سكان سوريا كان أقل من خمسة ملايين نسمة حينها.
السينراما في سوريا قبل أي مكان في العالم
في عام 1952، ظهر في نيويورك نظام سينمائي جديد باسم «السينراما»، يعتمد على ثلاث كاميرات لتصوير صورة بانورامية، فوجد منظمو معرض دمشق ضالتهم في هذا الاختراع، وبعد مراسلات ومداولات، وافقت القوات الجوية الأمريكية على نقل أكثر من 12 طناً من المعدات، بما فيها شاشة عملاقة بارتفاع 75 قدماً، وتأمين ألفي مقعد في الهواء الطلق. وسبق ذلك دعاية واسعة، حيث كتبت الصحف السورية: «السينراما في سوريا قبل أي مكان في العالم».
وتدفقت الحشود بعد توزيع تذاكر مجانية من وكالة الإعلام الأمريكية، فأتيح لـ100 ألف من السوريين والأجانب، في مقدمتهم الرئيس هاشم الأتاسي، مشاهدة السينراما يوم الجمعة 2 سبتمبر/أيلول 1954، قبل أن يشاهدها أحد في العالم خارج الولايات المتحدة. وجاء إلى دمشق فنانون من الشرق والغرب، بينهم المطرب محمد فوزي والفنانة ناهد يسري.
مهرجان فني أسطوري: من أم كلثوم إلى فيروز
شكل المهرجان الفني للمعرض ظاهرة سنوية، تنافس على الحضور فيها عمالقة الفن العربي وفرق الباليه الأجنبية. ففي عام 1957، جمعت دمشق بين أوركسترا السيمفونية الأمريكية والفرقة الفنية للاتحاد السوفياتي وفرقة الألعاب البهلوانية الصينية وباليه روزاريو الإسباني، قبل أن يحشرها انقلاب حزب البعث عام 1963 في المعسكر الاشتراكي المعادي للغرب لعقود.
وافتتحت السيدة أم كلثوم المهرجان الفني في الدورة الرابعة بحفلتين غنائيتين يومي 5 و7 سبتمبر/أيلول 1957، غنت فيهما «يللي كان يشجيك أنيني»، ثم عادت بعد الوحدة مع مصر عام 1958 لتغني «ذكريات» و«أهل الهوى» و«عودت عيني». كما غنى عبد الحليم حافظ في أغسطس/آب 1976 رائعته «قارئة الفنجان» قبل أشهر من رحيله.
لكن المهرجان انطبع بطابع حضور السيدة فيروز والفن الرحباني على مدى عقدين، منذ أول مشاركة عام 1958 وحتى مسرحية «بترا» عام 1977. ودرج الأخوان رحباني على تقديم تحية سنوية لدمشق، منها «سائليني يا شآم» (1961) و«قرأت مجدك» (1962) و«شام يا ذا السيف» (1963) و«إلى الشام» (1966)، وكان الوقوف على بردى جزءاً من تقاليد هذه القصائد، حيث صدحت فيروز: «أنا صوتي منك يا بردى مثلما نبعك من سحب».
معرض دمشق يودع ضفة بردى
عاش معرض دمشق الدولي عقوداً في مكانه الأثير على ضفة بردى، قبل أن يقضم جزءاً من أرضه مشروع المسرح القومي الذي ظل مهملاً، ثم تحول إلى «أوبرا دمشق» التي حملت اسم الأسد. وفي عام 2003، وبينما كان المعرض يحتفل بمرور نصف قرن على انطلاقه، تم نقله إلى مدينة المعارض الجديدة على طريق مطار دمشق الدولي، فشعر الدمشقيون أن المعرض اقتلع من فضائه التاريخي، ومن نوافيره الملونة وأماسيه الموشاة بالشعر، ومن صوت فيروز وهو يغني لبردى ولمجد الأمويين.
ورغم مرور أكثر من عقدين على الانتقال، تخللتهما 14 سنة من الثورة، فإن ذاكرة السوريين تحتاج لأجيال كي تتحرر من سطوة حضور مكانه القديم، ومسرحه المكشوف المشبع برائحة الزمن وغبار التاريخ الفني الذي كتب على خشبته بأصوات كبار مطربي العصر العربي الجميل.
أسئلة شائعة حول معرض دمشق الدولي
متى تأسس معرض دمشق الدولي؟
تأسس معرض دمشق الدولي بموجب المرسوم التشريعي رقم (141) عام 1952، وافتتح أبوابه لأول مرة في الأول من سبتمبر/أيلول 1954 في عهد الرئيس هاشم الأتاسي.
ما هي تقنية السينراما التي عرضت في دمشق؟
السينراما نظام سينمائي بانورامي ظهر في نيويورك عام 1952، يعتمد على ثلاث كاميرات لتصوير صورة واسعة، وعرض في دمشق عام 1954 قبل أي مكان في العالم خارج الولايات المتحدة.
من هم أبرز الفنانين الذين شاركوا في مهرجان المعرض؟
شارك في المهرجان عمالقة الفن العربي مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفيروز والأخوين رحباني وفريد الأطرش ووديع الصافي وصباح فخري، إضافة إلى فرق عالمية من أمريكا والاتحاد السوفياتي والصين وإسبانيا.