بعدسة إماراتية.. توثيق عمارة أبوظبي الأولى يجسد رؤية المؤسس في الحفاظ على الهوية
في مشهدٍ يزخر بناطحات السحاب ومباني الحداثة، تبرز مبادرة فوتوغرافية نوعية تعيد اكتشاف الجذور المعمارية لأبوظبي، مؤكدةً أن عراقة الهوية تظل حاضرةً حتى في أبهى صور التطور. فبينما تتسابق المدن نحو المستقبل، يجد المصور الإماراتي حسين الموسوي في مباني السبعينيات والثمانينيات كنزًا معماريًا يستحق التوثيق، ليروي قصة طموح دولة فتية وُلدت برؤية المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي أرسى قواعد التوازن بين الأصالة والمعاصرة.
يُعد مشروع الموسوي، الذي يحمل عنوان «سعي بين الواجهات»، رحلة بصرية منهجية لاستكشاف الهوية العمرانية لأبوظبي، حيث يوثق بتفاصيل دقيقة ملامح عمارة حديثة مبكرة غالبًا ما يتم تجاهلها. ويؤكد الموسوي، في حديثه لموقع CNN بالعربية، أن شغفه بهذا التوثيق بدأ عام 2013 عندما انتقل للعيش في العاصمة، ليكتشف فيها أبعادًا جديدة لم يلمحها خلال زيارات الطفولة، معتبرًا أن دراسته في الخارج عمّقت إدراكه لأهمية الهويات الحضرية والمعمارية.
تنوع معماري يعكس طموح دولة فتية
يُشير الموسوي إلى أن ما يجذبه تحديدًا هو «التنوع الكبير في المباني التي شُيّدت خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي»، وهي الفترة التي شهدت تحولات عمرانية كبرى بعد قيام الاتحاد. ولا يقتصر هذا التنوع على المباني السكنية، بل يشمل منشآت حكومية وقصورًا وأسواقًا وحتى عناصر بنيوية مثل خزانات المياه، حيث تعكس جميعها «طموح دولة فتية سعت إلى تحقيق توازن بين الحداثة والهوية المحلية».
من الأيقونات إلى التفاصيل المنسية
في بدايات مشروعه، ركّز الموسوي على المباني المعروفة، قبل أن يتجه لاحقًا نحو الأبنية الأقل شهرة، بهدف «إبراز ما هو غير مرئي للجمهور». ويوضح أن بعض المباني قد لا تكون أيقونات معمارية، لكنها تحمل تفاصيل أو عناصر تستحق التوقف عندها، مؤكدًا أن هدفه يتمثل في توثيق أكبر عدد ممكن من المباني التي تحتوي على «مقتطفات معمارية»، بحيث تتشكل في مجموعها صورة متكاملة للهوية المعمارية للمدينة.
منهجية دقيقة وإضاءة مثالية
يتبع الموسوي أسلوبًا منهجيًا في التوثيق، يبدأ بدراسة السياق الحضري للمبنى، ثم الانتقال إلى تصوير الواجهات، فالتركيز على التفاصيل الدقيقة مثل الأبواب والنوافذ واللافتات. ويولي أهمية كبيرة لتوقيت التصوير، إذ يختار فترات محددة من اليوم تكون فيها الإضاءة مثالية، وغالبًا ما تكون نافذة زمنية قصيرة لا تتجاوز 10 دقائق، يلتقط خلالها الصورة التي تلبي معاييره الفنية.
رؤية المؤسس.. وحدة عضوية في المشهد الحضري
يصف الموسوي عمارة أبوظبي بأنها تمتاز بنوع من «الوحدة العضوية»، وهو ما يعزوه إلى رؤية المؤسس الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي شدد على أهمية الحفاظ على الهوية المحلية في التصميم المعماري. ويشير إلى أن مرسومًا صدر عام 1984 ألزم بأن تعكس المباني الطابع العربي والإسلامي، من دون أن يمنع المعماريين من إدخال عناصر الحداثة، وهو ما ألّف مشهدًا معماريًا غنيًا ومتنوعًا، حيث يحمل كل مبنى هويته الخاصة لكنه ينسجم في الوقت ذاته مع محيطه الحضري.
ويرى الموسوي أن التصوير الفوتوغرافي يلعب دورًا أساسيًا في حفظ الذاكرة العمرانية، خصوصًا عندما يكون قائمًا على منهجية واضحة وأهداف محددة، مؤكدًا أن توثيق هذا التراث البصري لا يقتصر على الحاضر، بل يشكل جسرًا لنقله إلى الأجيال التالية، في ظل تسارع التغيرات العمرانية التي تشهدها المدينة.