نجيب محفوظ.. من كفاح النشر إلى قمة الأدب العالمي
في مسيرة أدبية حافلة بالعطاء، يظل الأديب العالمي نجيب محفوظ، ابن مصر وأحد أعلام الفكر العربي، نموذجاً فريداً في الصبر والكفاح، حيث استطاع بعزيمته وإصراره أن يحفر اسمه في سجل الخلود الأدبي، وأن يرفع راية الأدب العربي عالياً في المحافل الدولية، ليكون خير سفير للثقافة العربية والإسلامية في العالم.
كيف بدأ نجيب محفوظ مسيرته الأدبية؟
بدأ نجيب محفوظ الكتابة في مرحلة مبكرة من حياته، إلا أن الاهتمام النقدي بأعماله لم يظهر إلا قرب نهاية الخمسينيات، حين لفتت روايته الشهيرة «أولاد حارتنا» الأنظار إليه بقوة، والتي نُشرت مسلسلة في جريدة الأهرام، كما ساهم عمله في السينما ككاتب سيناريو في انتشار اسمه وذيوع صيته، مما دفع النقاد إلى مراجعة أعماله السابقة التي لم تحظَ باهتمامهم في وقتها.
معاناة النشر.. أربع سنوات من الانتظار
استهل نجيب محفوظ مشواره الأدبي بنشر قصته الأولى «ثمن الضعف» عام 1934 في مجلة الرسالة، ثم أصدر مجموعته القصصية الأولى «همس الجنون» عام 1938، وروايته الأولى «عبث الأقدار» عام 1939، وقد استغرق أربع سنوات كاملة لنشر مجموعته الأولى، وخمس سنوات منذ نشر قصته الأولى حتى صدرت روايته الأولى، وكان للكاتب الكبير سلامة موسى دور كبير في دعمه وتشجيعه، حيث نشر روايته الأولى في مجلته «المجلة الجديدة» التي كان يرأس تحريرها، ولولا هذا الدعم لربما تأخر ظهور محفوظ على الساحة الأدبية.
وقد تحدث نجيب محفوظ في لقاء تلفزيوني عن معاناته في النشر، ودعا زملاءه الكتاب إلى الكتابة للسينما كوسيلة للظهور وإتاحة الفرصة لنشر أعمالهم، وهو ما يعكس واقعاً مؤلماً عاشه بنفسه، حيث واجه صعوبات كبيرة في نشر أولى رواياته.
لماذا اتجه نجيب محفوظ إلى الرواية التاريخية؟
أثار اسم رواية «عبث الأقدار» جدلاً واسعاً بين النقاد حينها، حيث تساءل البعض: وهل الأقدار تعبث؟، وقد امتد هذا الجدل إلى تحويل الرواية إلى فيلم سينمائي حُذفت منه كلمة «الأقدار» لتفادي أي حجة على محفوظ.
ويُرجح أن نجيب محفوظ اتجه إلى الرواية التاريخية في أعماله الأولى، مثل «كفاح طيبة» و«رادوبيس»، لضمان مكان آمن بعيداً عن النقد، ولأن الرواية التاريخية أكثر أماناً، كما أنها قربته من أجواء الفراعنة، مما أتاح له تقديم نفسه بشكل جيد للقراء والنقاد، إضافة إلى أنه كان مهتماً بالفلسفة، فقد أنهى دراسته في قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة عام 1930، وكان يريد أن يغذي وعيه الفلسفي بهذا النوع من الكتابة.
نجيب محفوظ والفقر.. شهادة على الواقع
رغم أن نجيب محفوظ ينتمي إلى أسرة من الطبقة المتوسطة، إلا أنه كان شاهداً على الفقر وآثاره، وجسد ذلك في أعماله الأدبية التي تركز على الفقراء وأبناء الطبقة المتوسطة، ومن أبرزها رواية «بداية ونهاية» التي صدرت عام 1949، وهي مستوحاة من قصة حقيقية لأسرة فقيرة كان يعرفها، وتتناول حياة أسرة مكونة من أم وأبنائها الأربعة يعيشون على معاش الأب المتوفى، وتصور معاناتهم في الخروج من الفقر، وقد تحولت هذه الرواية إلى فيلم سينمائي عام 1960، ثم إلى فيلم مكسيكي عام 1993، وتُرجمت إلى الإنجليزية عام 1985، والإسبانية عام 1994، والفرنسية عام 1996.
نجيب محفوظ والطبقة المتوسطة.. رؤية عميقة
جسد نجيب محفوظ هموم ومتاعب الطبقة المتوسطة في أعماله الأدبية، واعتبر أنها تقود المجتمع منذ عصر محمد علي باشا، وقد وصفها في حوار مع الإعلامي الراحل مفيد فوزي بأنها «من أتعس الطوائف»، نظراً للمسؤوليات الثقيلة التي يتحملها أفرادها، حيث يركزون على تربية الأبناء وتعليمهم ليصلوا إلى أعلى المراتب، وهذا الوصف مبني على خبرة شخصية عميقة، فقد عانى محفوظ من الوظيفة ولم يكن منسجماً معها، كما يعكس ذلك في روايته «حضرة المحترم».
حضرة المحترم.. سيرة الكفاح والمعاناة
تعبر رواية «حضرة المحترم» عن شجون نجيب محفوظ وهمومه الشخصية، وما رآه في عالم الوظيفة، وتروي قصة عثمان بيومي الذي التحق موظفاً في قسم المحفوظات بإحدى إدارات الدولة، معتمداً على نفسه بعد وفاة والديه، وطامحاً إلى أن يصبح مديراً عاماً، فيحصل على إجازة في الحقوق، وينهل من الثقافة العامة، ويوطد علاقاته برؤسائه بالاجتهاد والاستقامة، ويبدأ في الادخار استعداداً للزواج، لكن الزمن يتسرب من بين أصابعه، ويعرض عن الزواج من اثنتين أحبهما لأنهما لا تقدمان له ما يبغي، فلا يجد عزاء إلا في وصاله الجسدي لقدّرية البغي، وهنا تتجلى رؤية محفوظ لعالم الموظفين حيث الشقاء والفرص الضائعة.
اتهام نجيب محفوظ بالاقتباس.. حادثة مؤسفة
في عام 1958، اتهم كاتب هاوٍ نجيب محفوظ بسرقة سيناريو، وذلك بعد أن كلفه حسن رمزي بكتابة سيناريو لفيلم «الهاربة» من إنتاجه وإخراج أحمد بدرخان، وعندما حاول حسن رمزي إجراء تعديلات على السيناريو، رفض بدرخان وترك العمل، فقام رمزي بتعديل السيناريو باقتباس قصة من إحدى القصص التي كان يرسلها إليه الكتاب الهواة، دون علم محفوظ، فرفع صاحب القصة دعوى على محفوظ، الذي أعرب عن أمنيته الوحيدة في أن يرى سيناريوه كما كتبه دون تعديلات.
عندما تعرض نجيب محفوظ للتزوير
تعرضت روايات نجيب محفوظ للتزوير مراراً وتكراراً، خصوصاً بعد حصوله على جائزة نوبل، وقد روى محفوظ قصة طريفة عن رجل لبناني جاء إليه في مقهى ريش وعرّفه بنفسه قائلاً: «أنا الذي زوّرت كتبك من عبث الأقدار إلى ميرامار»، وعرض عليه أن يكون مزوره الوحيد مقابل حق مادي، وقد وجد محفوظ كلامه منطقياً ووقع معه الاتفاق.
زواج نجيب محفوظ.. قصة التأخر والحكمة
تزوج نجيب محفوظ في عام 1954 في سن الثالثة والأربعين من السيدة عطية الله إبراهيم، وأخفى خبر زواجه عن الوسط الثقافي لمدة عشر سنوات كاملة، رغبة منه في الحفاظ على خصوصيته وتفرغه للأدب، وقد أرجع أسباب تأخر زواجه إلى اعتماده على والدته في تلبية مطالبه، وإلى فشل كثير من زملائه الذين تزوجوا على أساس الحب الرومانسي، وإلى تخوفه من أن يؤثر الزواج على مشروعه الأدبي، لكنه اكتشف لاحقاً أن حياته الزوجية ساعدته، حيث وجد في زوجته السيدة عطية الله زوجة مناسبة متفهمة لطبيعته واحتياجاته ككاتب.
وهكذا، تظل سيرة نجيب محفوظ مصدر إلهام للأجيال، فهو نموذج للكفاح والمثابرة، وقد استحق عن جدارة أن يكون أول أديب عربي يحصل على جائزة نوبل للآداب عام 1988، ليبقى اسمه خالداً في ذاكرة الأدب العالمي، وليظل رمزاً للرواية العربية الأصيلة التي تعبر عن هموم الإنسان وقضاياه.