زمن سعاد.. مرثية أدبية تكشف مأساة المرأة العربية في مجتمعاتنا
في عمل أدبي يجمع بين عمق التحليل وجمال التعبير، يقدم الكاتب خالد منتصر في كتابه "زمن سعاد" شهادة موجعة على واقع المرأة في مجتمعاتنا العربية، متخذاً من قصة الراحلة سعاد حسني نموذجاً لمعاناة جيل كامل من النساء اللواتي وُضعن في قوالب ضيقة لا تتسع لإنسانيتهن.
شهادة على زمن عربي مؤلم
لا يكتب منتصر عن سعاد بوصفها شخصية فردية، بل كزمن كامل، كمرحلة، كحالة عربية ممتدة، حيث يُدار الجسد الأنثوي بوصفه ملفاً أخلاقياً عاماً، لا حقاً شخصياً. هذا المنهج يكشف عن فهم عميق لطبيعة التحديات التي تواجهها المرأة في مجتمعاتنا الإسلامية.
سعاد في هذا الكتاب ليست بطلة بالمعنى الكلاسيكي، هي امرأة عادية، وهذا تحديداً ما يجعل قصتها صادمة. لا تعيش مأساة استثنائية، بل تعيش المأساة اليومية المعتادة لأي امرأة تتعرض لمشاعر الوصاية والازدواجية والخوف المستمر من أن تُدان لا لأنها أخطأت، بل لأنها امرأة.
مرآة قاسية للمجتمع العربي
صفحة بعد صفحة، يضعنا منتصر أمام مرآة قاسية، لا تعكس ملامح سعاد حسني وحدها، بل تُعيد تشكيل صورتنا نحن: كيف نُحب، كيف نحاكم، وكيف نُشيع موتانا بالأحكام بدل الزهور. منذ السطور الأولى، يتكثف المشهد الجنائزي لا بوصفه وداعاً، بل محكمة شعبية مفتوحة.
يكتب المؤلف بعين شاهد وقلب مُنحاز للإنسان، يلتقط تفاصيل صغيرة ويحولها إلى مفاتيح لفهم زمن كامل. زمن كان يصفق على الشاشة، ثم يرجم خارجها. زمن يُغني مع سعاد، ثم يتبرأ منها عند أول اختلاف.
فراشة احترقت بضوئها
يصف منتصر سعاد بأنها "فراشة احترقت بضوئها"، ويتحدث عن طفولتها التي سُرقت، وكيف تحولت تلك الطفلة التي لم تدخل مدارس نظامية إلى "جامعة للجمال والشجن". التعبيرات في الكتاب غنية بالتشبيهات، فهو يرى في وجهها "تضاريس وطن"، وفي صوتها "بحة اليتم المستتر خلف ضحكة مجلجلة".
والأسلوب هنا لا يكتفى بالرصد، بل يستعير من سعاد حسني "خفتها" ومن مأساتها "عمقها". هو يكتب بلغة تشبه ملمس الحرير الذي يخبئ تحته شفرات حادة، لغة رشيقة، انسيابية، لكنها تقطر شجناً وتوحداً.
دروس في الكرامة الإنسانية
في مشهد مؤثر يحكيه الكاتب، نرى امرأتين في الشارع، إحداهما تأكل آيس كريم، والأخرى تصدر فتوى جاهزة: "لحس الآيس كريم في الشارع للمرأة حرام شرعاً". هذا المشهد، رغم عبثيته الظاهرة، يخفي عنفاً عميقاً يكشف كيف يتحول الدين إلى أداة إذلال يومي.
انفجار الراوية بالصفع والاشتباك الجسدي ليس فعل عنف، بل لحظة دفاع يائس عن كرامة غائبة: "اخرسوا، محدش يقول كده على سعاد... سعاد أشرف منكم كلكم"، صرخة لا تُدافع عن نجمة، بل عن معنى الإنسان نفسه.
النهاية المؤلمة في لندن
وعندما يصل السرد إلى لندن، يتكثف الحزن إلى أقصى درجاته. الكاتب لا يدعي امتلاك الحقيقة، لكنه يضع القارئ داخل السؤال المؤلم: هل كان ما حدث انتحاراً؟ أم نتيجة طبيعية لوحدة طويلة؟
في "زمن سعاد"، لا ينشغل منتصر بإدانة شخص أو تبرئة آخر بقدر انشغاله بفضح زمن كامل. زمن يُحب المرأة ما دامت جميلة ومطيعة للخيال العام، ثم ينقلب عليها حين تطالب بحقها في الألم. سعاد في هذا الكتاب ليست قضية فردية، بل مرآة مجتمع يرى المرأة مشروع فرح دائم، لا كائناً بشرياً له الحق في الانكسار.