السينما المصرية بين غياب الشفافية وحتمية المرجعية الموحدة
في مشهدٍ يثير التأمل، تتصدر السينما المصرية عناوين النقاش الفني، ليس بسبب إبداعٍ جديد أو نجاحٍ مدوٍ، بل بسبب أزمةٍ كشفت هشاشة بنيتها المعلوماتية؛ إذ توقفت التقارير اليومية لإيرادات الأفلام، بعد موجةٍ من تضارب الأرقام وحجب بعضها. هذه الظاهرة، التي قد تبدو للوهلة الأولى خلافًا عابرًا بين نجوم يتنافسون على الصدارة، هي في جوهرها أزمة صناعةٍ كاملة، تعكس غياب منظومةٍ رقمية موحدة، تُفقد السوق بوصلته، وتُبقي الجمهور والمستثمر في دائرةٍ من الاجتهادات والروايات المتعارضة.
ما الذي تخفيه أزمة إيرادات الأفلام في مصر؟
ليست الإيرادات مجرد أرقامٍ تتسابق على نشرها الصفحات الفنية، وليست لعبةً دعائية يتباهى بها نجمٌ بأنه الأول، ثم يرد عليه آخر بصورةٍ من قاعةٍ كاملة العدد. الإيرادات، في أي صناعةٍ سينمائية تحترم نفسها، هي لغة السوق وذاكرته، وهي المؤشر الذي يقرأ من خلاله المنتج والموزع وصاحب دار العرض والناقد والجمهور حركة الأفلام، فيعرفون ما الذي نجح، وأين نجح، ولماذا، وما الذي يستحق الاستمرار، وما الذي يحتاج إلى إعادة نظر.
لهذا، فإن ما شهدته السينما المصرية مؤخرًا من تضاربٍ في الأرقام، ثم حجب بعضها، ثم التوقف عن إعلان التقارير اليومية، ليس خلافًا عابرًا بين نجومٍ يتنافسون على المركز الأول، بل أزمة صناعةٍ كاملة انكشفت أمام الجمهور. الأزمة لم تبدأ لحظة اختفاء الأرقام، وإنما بدأت قبل ذلك بكثير، عندما تركت السينما المصرية بياناتها الأساسية موزعة بين اجتهاداتٍ شخصية، ومصادر غير موحدة، وبياناتٍ ناقصة تصل من بعض دور العرض ولا تصل من غيرها، ومنصاتٍ تتفاوت أرقامها من دون وجود جهةٍ رسمية واحدة تستطيع أن تقول للجميع: هذه هي الحقيقة.
حجب الأرقام: حمايةٌ أم إضرارٌ بالصناعة؟
قد يبدو الحجب، من وجهة نظر أصحابه، موقفًا احترازيًا يحمي الفيلم من أرقامٍ ناقصة أو غير دقيقة. لكن استمرار الحجب لا يحل المشكلة، بل يضاعفها. عندما تغيب المعلومة الموثوقة، لا يختفي الجدل، وإنما تملأ الشائعة مكان الرقم، ويصبح الإعلان التجاري بديلًا عن التقرير المهني. كل شركة تقول إن حفلات فيلمها كاملة العدد، وكل نجمٍ ينشر صور جمهوره، وكل صفحةٍ تتناقل رقمًا لا يعرف أحدٌ مصدره أو وقت تحديثه أو عدد دور العرض التي شملها.
الأخطر أن حجب الإيرادات يضر بالأفلام نفسها. فالحديث اليومي عن شباك التذاكر ليس مجرد ترتيبٍ تنافسي، بل جزءٌ من عملية الترويج. الجمهور يتابع الأفلام التي تحقق مفاجآت، ويصبح فضوله أكبر تجاه فيلمٍ يتقدم من مركزٍ إلى آخر أو يحافظ على مكانه لأسابيع. رقم الإيرادات هنا ينتج قصةً إعلامية يومية، وهذه القصة تمنح الفيلم حضورًا مستمرًا بعد انتهاء ضجة العرض الأول والإعلانات التقليدية. وحين تختفي الأرقام، تفقد الأفلام واحدة من أهم وسائل بقائها في المجال العام.
لماذا تحتاج الصناعة إلى بياناتٍ دقيقة تتجاوز قيمة الإيراد؟
إن التركيز على قيمة الإيراد وحدها لا يقدم صورةً كافية. فقد يرتفع دخل فيلمٍ بسبب زيادة سعر التذكرة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن عدد مشاهده أكبر من عدد مشاهدي فيلمٍ أقدم. لذلك، لا بد أن تتضمن المنظومة المنضبطة إجمالي الإيرادات وعدد التذاكر وعدد الشاشات والحفلات ونطاق التغطية وتوقيت تحديث البيانات. منصات القياس العالمية لا تكتفي بقيمة شباك التذاكر، بل تجمع كذلك بيانات الحضور، وتتيح معلوماتٍ دورية تساعد الاستوديوهات والموزعين ودور العرض على تعديل خطط الإعلان والتوزيع واختيار مواعيد الطرح.
نحن إذن لا نتحدث عن رفاهيةٍ صحفية، بل عن معلومةٍ اقتصادية تؤثر في قراراتٍ حقيقية. المنتج يحتاج إليها ليقيم حجم المخاطرة في مشروعه المقبل. الموزع يحتاج إليها ليقرر توسيع عرض فيلمٍ أو تقليصه. صاحب السينما يحتاج إليها لتنظيم الحفلات. المستثمر يحتاج إليها لقراءة السوق، والباحث يحتاج إليها ليدرس تحولات الجمهور. حتى الدولة تحتاج إلى بياناتٍ دقيقة إذا أرادت وضع سياسةٍ جادة لدعم الإنتاج أو زيادة عدد الشاشات أو فهم أسباب تراجع الإقبال في بعض المناطق.
مئة عام من السينما المصرية: لماذا لم تُنشأ مرجعية موحدة بعد؟
من المؤلم أن صناعةً يتجاوز تاريخها مئة عام لا تزال عاجزة عن إنشاء مرجعٍ مركزي معلن وموثوق لشباك التذاكر. السينما المصرية تمتلك تاريخًا عريقًا، ونجومًا كبارًا، وشركات إنتاجٍ وتوزيع، ونقاباتٍ وغرفًا ومؤسسات، لكنها عندما تحاول معرفة عدد الأشخاص الذين دخلوا لمشاهدة فيلمٍ معين في يومٍ محدد، تعود إلى دائرةٍ من الروايات والاجتهادات. كأننا نمتلك صناعةً تقوم على ملايين الجنيهات، بينما نفتقد دفتر الحسابات الذي تخزن فيه حقائق هذه الصناعة.
هل يتعارض الإيراد مع القيمة الفنية؟
وليس صحيحًا أن القيمة الفنية للفيلم تتعارض مع إعلان إيراداته. بالتأكيد لا يحول المركز الأول في شباك التذاكر فيلمًا ضعيفًا إلى عملٍ جيد، ولا يجعل الرقم المحدود فيلمًا مهمًا أقل قيمة. تاريخ السينما مليء بأفلامٍ لم تحقق نجاحًا جماهيريًا كبيرًا عند عرضها ثم اكتسبت مكانتها لاحقًا. لكن الاعتراف بأن الإيراد لا يساوي القيمة الفنية لا يعني إخفاء الإيراد. النقد يقيس الجمال والفكرة والبناء، بينما يقيس شباك التذاكر حجم الإقبال. وكلٌّ منهما يقدم معلومةً مختلفة لا تغني إحداهما عن الأخرى.
ما الحل المطلوب لإنقاذ شباك التذاكر المصري؟
المطلوب ليس انتصار منصةٍ على منصة، ولا أن تتولى شركة إنتاجٍ إعلان أرقام أفلامها، ولا أن يتحول الأمر إلى لجنةٍ تقرر أي نجمٍ يحق له الاحتفال. المطلوب نظامٌ موحد ومستقلٌ قدر الإمكان، تتصل به دور العرض إلكترونيًا، ويعلن الإيرادات وعدد التذاكر وفق توقيتٍ ثابت وتعريفٍ واضح للسوق الذي تشمل بياناته. وإذا كانت بعض السينمات لم ترسل أرقامها، فيجب أن يظهر ذلك بوضوحٍ في التقرير، بدلًا من نشر رقمٍ ناقص بوصفه حقيقةً كاملة أو حجب الفيلم كأنه غير موجود.
أتمنى أن يكون هناك تنسيقٌ لوضع آليةٍ رسمية تستند إلى مستنداتٍ موثقة، وأن تصبح المرجع المعتمد لإيرادات شباك التذاكر. الشفافية لا تعني أن تكون الأرقام بلا أخطاء، فكل نظامٍ قابل للمراجعة والتصحيح، لكنها تعني أن نعرف مصدر الرقم وكيف تم احتسابه ومتى جرى تحديثه. إذا تغيرت البيانات، ينشر التصحيح علنًا. وإذا كانت المعلومات غير مكتملة، يشار إلى ذلك. أما أن ننتقل من تضارب الأرقام إلى اختفائها، فنحن نستبدل مشكلةً بأخرى أكبر.
هل يمكن أن تكون الأزمة الحالية فرصةً للإصلاح؟
ربما تكون الأزمة الحالية فرصةً نادرة. فهي كشفت أن النظام القديم لم يعد قادرًا على إدارة سوقٍ تتسع، وأسعار تذاكر تتغير، ومنصاتٍ رقمية تراقب الجمهور لحظةً بلحظة. وكشفت أيضًا أن حرب الصدارة يمكن أن تضر بجميع الأطراف حين لا توجد مرجعيةٌ تحسم الخلاف. المطلوب الآن ألا تتحول الأزمة إلى هدنةٍ مؤقتة تنتهي مع انتهاء الموسم، ثم نعود إلى الأرقام المتناقضة عند أول سباقٍ جديد.
الخلاصة: نحو سينما مصرية أكثر شفافية وثقة
السينما المصرية ليست في حاجةٍ إلى حجب شباك التذاكر، بل إلى فتحه على الحقيقة. ليست في حاجةٍ إلى أرقامٍ دعائية، بل إلى بياناتٍ تقنع المنتج والموزع والصحفي والجمهور. ولا ينبغي أن يبقى النجاح سرًا تحتفظ به الشركات، أو اتهامًا يتبادله النجوم، أو رقمًا تصنعه الصفحة الأسرع نشرًا. نجاح الفيلم حقٌّ لصانعه، أما حقيقة السوق فهي حقٌّ للصناعة كلها.
حين تعرف السينما عدد تذاكرها بدقة، فإنها لا تحصي جمهورها فقط، بل تبدأ أخيرًا في فهمه.