تشارلي إكس سي إكس: أيقونة الذوق الرفيع في عالم الموسيقى والسينما
في زمن تتسارع فيه وتيرة الإنتاج الفني وتتداخل فيه الثقافات، تبرز نجمة البوب البريطانية شارلوت إيما أيتشيسون، المعروفة باسمها الفني “تشارلي إكس سي إكس”، كصانعة عوالم فنية تجمع بين الحس النقدي والاحتفاء بالثقافة الشعبية. ففي خطوة تعكس ذائقتها الرفيعة، شاهدت تشارلي فيلم الأكشن “بوينت بريك” الصادر عام 1991، ووصفته بأنه “أروع فيلم شاهدته من البداية إلى النهاية”.
هذا التوجه لم يكن وليد الصدفة، بل هو جزء من هوية فنية متكاملة تبنيها تشارلي عبر منصاتها المختلفة، مثل حسابها على “ليتر بوكسد” المتخصصة في تقييم الأفلام، حيث تتنقل بسهولة بين الأعمال الجماهيرية والأفلام الكلاسيكية، مؤكدة أن الذائقة الفنية يمكن أن تستوعب النقيضين معًا.
ألبوم جديد يعكس تنوع المرجعيات
ألبومها الجديد “ميوزيك، فاشن، فيلم” يأتي كخريطة بصرية وثقافية تضم مصادر إلهامها، ويكشف عن اتساع مرجعياتها في عوالم الموسيقى والموضة والسينما. فبدلاً من ظهورها على الغلاف الرئيسي، يسلط الضوء على ثلاثة أسماء تمثل المجالات التي يحملها عنوانه: المغني والمنتج الويلزي جون كيل، ومصمم الأزياء الأمريكي مارك جايكوبس، والمخرج الأمريكي مارتن سكورسيزي.
وترى تشارلي أن الشغف الحقيقي بالفن هو جوهر “التميز”، وأن محاولة إرضاء الجميع تفقد العمل هويته. وكتبت قبل أشهر على منصة “سبستاك”: “حين يصبح الفن مصممًا لجذب أكبر عدد ممكن من الناس، يفقد ذلك الإحساس بالتميز”.
الذوق الفني كجزء من الهوية
يعكس الذوق الفني الذي تحرص تشارلي على إبرازه الصورة التي بنتها لنفسها على مدار سنوات، والتي غالبًا ما وُضعت في مواجهة نجمة البوب الأمريكية تايلور سويفت. فبإطلالاتها الجريئة وموسيقاها الراقصة المستوحاة من حياة النوادي الليلية، قدمت نفسها كنقيض لصورة “أميرة البوب” التقليدية؛ أكثر تمردًا وأقل قابلية للتوقع.
ومع ألبومها السادس “برات” عام 2024، وصلت هذه الهوية إلى ذروتها، مستلهمة صورة فتيات الـ”إت” في منتصف العقد الأول من الألفية، لكن بروح تناسب عصر الإنترنت، حتى أصبح اللون الأخضر الفوسفوري المرتبط بالألبوم أحد أبرز رموز ذلك الصيف.
عودة إلى أجواء ما قبل الهواتف الذكية
أما ألبومها الجديد، فيتجه بصريًا إلى أجواء ما قبل عصر الهواتف الذكية، إذ جاءت فيديوهاته بالأبيض والأسود، بينما اتسمت موسيقاه بطابع أكثر بساطة وتجريدًا. وفي فيديو أغنية “روك ميوزيك”، تتقمص تشارلي شخصية نجمة روك، وهي تهز رأسها بين أعقاب السجائر مرددة “حلبة الرقص ماتت”، على وقع غيتار كهربائي مشوه، في انعكاس لتقديرها لثقافة التيار المضاد.
كما تظهر بصمات المخرج الكندي ديفيد كروننبرغ في عالمها الفني، إذ يشارك في كتابة الأغنية الأخيرة من الألبوم، بينما يظهر الممثل الفرنسي فينسنت كاسيل في فيديو أغنية “كاميرا”، الذي صُوّر في لقطة واحدة مستوحاة من أجواء السينما الكلاسيكية، وترتدي تشارلي فيه حذاءً من مصمم الأحذية الفرنسي كريستيان لوبوتان على عربة تحريك الكاميرا.
تشارلي صانعة العوالم
يتجاوز مشروع تشارلي حدود الموسيقى؛ فمن خلال حسابها على “ليتر بوكسد”، ونشرتها عبر “سبستاك”، واهتمامها المدروس بالموضة والسينما، تبني تشارلي منظومة ثقافية وبصرية تمنح موسيقاها سياقًا أوسع. ورغم ارتباطها بالسينما الطليعية وأعمال كروننبرغ، فإن مصادر إلهامها تمتد أيضًا إلى نجوم البوب مثل جانيت جاكسون وبريتني سبيرز.
ويشير الكاتب الموسيقي سبنسر كورنهابر إلى أن تأثير بريتني يظهر في تجارب تشارلي مع تقنية “الأوتوتيون”، كما ينعكس في بعض إطلالات حقبة “فروم فروم”. وبحسب كورنهابر، ما يميز تشارلي قدرتها على التحكم في صورتها العامة وتحويل هويتها الفنية إلى جزء أساسي من العمل؛ فهي لا تكتفي بأداء الشخصية، بل تشارك في صياغتها.
مطاردة التميز في عصر الذكاء الاصطناعي
يبدو أن التحدي الجديد أمام تشارلي إكس سي إكس يتمثل في كيفية الحفاظ على صورتها كأيقونة للتميز بعد النجاح الجماهيري الكبير لألبوم “برات”. فهي تحاول إيجاد التوازن بين كونها فنانة مناهضة للتيار السائد، وبين حضورها القوي في الثقافة الشعبية؛ إذ ارتبط اسمها بالحملة الانتخابية لكامالا هاريس، كما تعاونت مع علامات تجارية مثل “كونفرس” و”سكيمز” و”إيتش أند أم”.
وبعد 15 عامًا من مسيرتها، أصبحت تشارلي أقرب إلى النجومية العالمية، مع اقترابها من 30 مليون مستمع شهريًا على “سبوتيفاي”، لكنها لا تزال تبحث عن مفهوم “التميز” الذي تصفه بأنه فن “خاص ونادر وتعبير حقيقي عن صاحبه”. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، حيث أصبح إنتاج أعمال ذات جودة تقنية متاحًا للجميع، ترى تشارلي أن الذوق والرؤية الفنية والقدرة على الاختيار أصبحت أكثر أهمية، فهي تريد أن يعرف جمهورها أن هذه العناصر هي جوهر عالمها الفني.
التميز في عصر الرقمنة
في عالم يزداد فيه الاعتماد على التكنولوجيا، تظل تشارلي إكس سي إكس نموذجًا للفنان الذي يجمع بين الأصالة والحداثة، مؤكدة أن الذوق الرفيع والرؤية الفنية هما ما يميزان العمل الفني الحقيقي. وهذا ما يجعلها أيقونة تستحق المتابعة في مشهد الفن العالمي.