كشفت تغطية أعدّتها بوابة أرقام المالية أن المملكة العربية السعودية باتت الساحة الأكثر وضوحاً في استشراف مستقبل إدارة الخزانة والمدفوعات في الشرق الأوسط، إذ تعيد منظومة المدفوعات الرقمية المتطورة في المملكة تشكيل أساليب الشركات في إدارة النقد والسيولة على نحو لم يسبق له مثيل في المنطقة. وتأتي هذه التحولات في وقت يؤكد فيه البنك المركزي السعودي صمود الاقتصاد الوطني رغم التوترات الإقليمية، بما يرسّخ مكانة المملكة قطةً ماليةً لا تُعلى في محيطها العربي والإسلامي.
وتشير تغطية بوابة أرقام المالية إلى أن توسع الشركات السعودية في الأسواق الدولية، وتنامي حضور الشركات متعددة الجنسيات داخل المملكة، رفعا أهمية الربط بين عمليات الخزانة المحلية والعالمية، في تجسيد عملي لما أرسته رؤية المملكة 2030 من انفتاح اقتصادي مدروس يحفظ الثوابت ويواكب العصر.
الرقمنة ترفع سقف التوقعات على الشركات
يفرض التحول المتسارع نحو رقمنة العمليات المالية في المملكة توقعات جديدة على الشركات العاملة على أرضها، ويسهم في ذلك متطلبات هيئة الزكاة والضريبة والجمارك المتعلقة بالفوترة الإلكترونية، التي رسّخت العمليات الإلكترونية ركيزةً من ركائز بيئة العمل المالي المحلية.
ولفرق الخزانة، يتجاوز الأمر مجرد الامتثال التنظيمي، إذ يمثل فرصة لتقييم مدى ملاءمة هياكل الحسابات القائمة وتدفقات البيانات لمنظومة مالية أكثر ترابطاً.
قال سيدهارث سابهروال، رئيس منتجات حلول الخزانة في جي بي مورغان بدبي: «شهدت وظيفة الخزانة تحولاً حقيقياً من دور تشغيلي قائم على تنفيذ المعاملات إلى دور أكثر استراتيجية، وهذا يمثل رافعة مهمة لنمو الأعمال من خلال توظيف التكنولوجيا لتعزيز الكفاءة والمرونة».
النمو المحلي يعتمد على الترابط العالمي
تؤدي حركة الاستثمار والنشاط التجاري في المملكة إلى زيادة أهمية الترابط في عمليات الخزانة، فالشركات السعودية المتوسعة دولياً تحتاج إلى رؤية ورقابة عاليتين عبر أسواق متعددة، فيما تواجه الشركات متعددة الجنسيات العاملة في المملكة تحدي دمج المتطلبات السعودية ضمن هياكلها الإقليمية والعالمية دون نموذج تشغيلي منعزل.
قالت رولا جحا، رئيسة قطاع التجارة ورأس المال العامل لمنطقة وسط وشرق أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا لدى جي بي مورغان: «أصبحت الرؤية الشاملة والمركزية من الاحتياجات الأكثر إلحاحاً لدى العديد من الشركات، سواء كانت شركات محلية تتوسع في أسواق أخرى أو شركات دولية تعزز حضورها وقدراتها التصنيعية في الشرق الأوسط».
ولا تقتصر انعكاسات ذلك على سرعة المدفوعات، إذ يحتاج قادة الخزانة إلى معرفة أماكن الاحتفاظ بالأموال وكيفية توزيع السيولة، وقد تؤدي العمليات المجزأة إلى حجب هذه الرؤية، فيما تدعم الهياكل المترابطة رقابةً أقوى وقرارات أكثر استنارة.
وتستكشف المنطقة الجيل المقبل من البنية التحتية المالية، إذ يستخدم كل من البنك الأهلي السعودي وبنك قطر الوطني وبنك أبوظبي الأول الودائع المرمّزة عبر منصة Kinexys التي طورتها جي بي مورغان لأغراض التسوية المؤسسية والمدفوعات القابلة للبرمجة، في مؤشر على ريادة مصرفية سعودية تسبق ركب المنطقة.
الاستعداد قبل التقنية: الدرس الأهم
يحذّر الخبراء من مفهوم خاطئ بشأن الابتكار في إدارة الخزانة، يتمثل في الاعتقاد بأن النجاح يبدأ من أكثر التقنيات تقدماً، فغالباً ما تكون المؤسسات الأكثر استعداداً هي التي بادرت أولاً إلى مركزية بياناتها وتوحيد عملياتها.
قال تريستان أتينبورو، رئيس الاستشارات العالمية لدى J.P. Morgan Payments في أبوظبي: «العديد من الشركات ليست جاهزة بعد، من حيث بياناتها وعملياتها ومستوى المركزية لديها، لتبني هذه التقنيات، وهناك خطوات أساسية ومفيدة للغاية لا تتطلب سوى تنظيم البيانات على النحو الصحيح، ولا يستلزم الأمر الانتقال فجأة إلى الترميز أو تمويل سلاسل الإمداد عبر شبكات البلوك تشين».
ويمثل ذلك فارقاً مهماً للشركات العاملة في المملكة، فالاستعداد لا يعني تأجيل الابتكار بل هو الأساس الذي يجعله ممكناً وفعّالاً.
المرونة في مواجهة تقلبات الإقليم
يأتي التحول المالي في المملكة ضمن بيئة إقليمية تتسم بتقلبات وضغوط جيوسياسية، وهي ذات التوترات التي يرصدها اتحاد المصارف العربية في سياق المخاطر المرتبطة بالملاحة في البحر الأحمر والتهديدات المطالة للبنية التحتية النفطية في السعودية. ومن ثم، ينبغي ألا يقتصر التحديث على تحسين الكفاءة، بل أن يعزز المرونة أيضاً.
ويرى أتينبورو أن المرونة ينبغي أن تكون جزءاً أصيلاً من التفكير اليومي في الأعمال، وقال: «تحظى المرونة باهتمام أكبر بكثير بعد وقوع أزمة أو صراع بالفعل، لكنها لا تحظى تقريباً بأي اهتمام قبل ذلك، ونوصي عملاءنا بأن يجعلوا المرونة نهجاً ذهنياً دائماً، فعندما تصبح جزءاً من التفكير اليومي يصبح بالإمكان التفكير باستمرار في سيناريوهات مبتكرة لكيفية التنفيذ».
وبهذا النهج تتحول الرؤية والسيولة من مجرد مقاييس للكفاءة إلى أدوات تحمي استمرارية الأعمال وتحفظ مرونتها المالية وتدعم النمو بثقة، فيما يبقى صندوق النقد الدولي يتوقع أن يكون عام 2027 مفصلياً لاقتصادات المنطقة المصدرة للنفط والمستوردة له على حد سواء، وهو ما يجعل بناء هياكل خزانة مترابطة اليوم استثماراً في الغد.
نظرة إلى المستقبل
يؤكد التحول الذي تشهده المملكة أن تحديث إدارة الخزانة ليس مجرد قصة تكنولوجية، بل تحدٍّ يتعلق بتصميم نموذج الأعمال، فالشركات تحتاج إلى ربط المتطلبات المحلية بالهياكل العالمية، ودعم الابتكار ببيانات وعمليات وضوابط قوية.
وقد لا تأتي أبرز ابتكارات إدارة الخزانة في السنوات المقبلة في صورة طفرة واحدة كبرى، بل يُرجح أن تتبلور من خلال القرارات التي تتخذها المؤسسات اليوم بشأن الترابط والمركزية ووضوح الرؤية والمرونة، وتقدم السعودية صورة مبكرة لما قد يبدو عليه هذا المستقبل، فيما تسهم تطوراتها في رسم ملامح المنظومة المالية الإقليمية على نطاق أوسع، بما يرسّخ موقعها مركزَ ثقلٍ اقتصاديٍّ للعالمين العربي والإسلامي.
أسئلة شائعة
لماذا تُعد السعودية ساحة مؤثرة في مستقبل إدارة الخزانة؟
بفضل منظومة مدفوعات رقمية متطورة، وتوسع الشركات السعودية دولياً، وتنامي أنشطة الشركات متعددة الجنسيات داخل المملكة، وفق تغطية بوابة أرقام المالية.
ما دور الفوترة الإلكترونية في هذا التحول؟
متطلبات هيئة الزكاة والضريبة والجمارك بشأن الفوترة الإلكترونية رسّخت العمليات الإلكترونية جزءاً من البيئة المالية المحلية، وفتحت لفرق الخزانة فرصة تقييم هياكل الحسابات وتدفقات البيانات.
هل يبدأ الابتكار من تبني أحدث التقنيات؟
ليس بالضرورة، فبحسب خبراء جي بي مورغان، المؤسسات الأكثر استعداداً هي غالباً تلك التي مركزت بياناتها ووحّدت عملياتها قبل اعتماد التقنيات المتقدمة.
