أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 14 أكتوبر 2026، عن بدء عمليات ضخمة للتنقيب عن النفط والغاز والمعادن في جزيرة غرينلاند، وذلك بعد أقل من شهر على توقيع اتفاق أمني ثلاثي بين واشنطن وكوبنهاغن ونوك في 22 سبتمبر الماضي. وفي 12 أكتوبر، بدأ برلمان غرينلاند القراءة الأولى لمقترح إقرار الاتفاق، وفق ما أفادت به صحيفة المصري اليوم.
يهدف الاتفاق إلى تحديث اتفاقية الدفاع الموقعة عام 1951، عبر توسيع الحضور العسكري الأمريكي في الجزيرة الاستراتيجية، وتنظيم الاستثمارات الأجنبية في القطاعات الحساسة، مع تأكيد السيادة الدنماركية وحق شعب غرينلاند في تقرير المصير.
ما الذي يتضمنه الاتفاق الثلاثي؟
بحسب تحليل المصري اليوم، يتضمن الاتفاق إنشاء منطقتين دفاعيتين جديدتين في نارسارسواك جنوباً وميسترسفيج شرقاً، إلى جانب توسيع الأنشطة الأمريكية في قاعدة بيتوفيك الفضائية المستخدمة للإنذار المبكر ومراقبة الفضاء.
كما يقيّد الاتفاق قدرة المستثمرين من دول خارج الناتو والاتحاد الأوروبي على اكتساب السيطرة أو التأثير في قطاعات البنية التحتية الحيوية واستخراج الموارد، متى شكّل ذلك تهديداً للأمن القومي. وتتولى حكومة غرينلاند تطبيق هذا الفحص بالتعاون الوثيق مع الدنمارك.
روايات متباينة بين واشنطن وكوبنهاغن
وصف ترامب الاتفاق بأنه يمنح الولايات المتحدة سيطرة دائمة على الأمن في غرينلاند، وأشاد في منشور على منصة تروث سوشال بما اعتبره مكاسب حققتها واشنطن، واصفاً الجزيرة بأنها غرينلاند الجديدة والجميلة، وفق ما نقلت جريدة حابي عن وكالة رويترز.
في المقابل، قالت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن إن الاتفاق يعترف بسيادة المملكة ووحدة أراضيها وحق شعب غرينلاند في تقرير المصير. وأكد رئيس حكومة غرينلاند ينس فريدريك نيلسن أن الاتفاق يراعي مصالح سكان الجزيرة.
ودعت كوبنهاغن، في سياق متصل، إلى أن يحترم الاستكشاف الأمريكي لموارد غرينلاند القوانين المحلية، وفق ما أوردت إنديبندنت عربية.
أهداف واشنطن في القطب الشمالي
تنظر واشنطن إلى غرينلاند بوصفها موقعاً مهماً لتعزيز الإنذار المبكر ومراقبة الفضاء وتأمين الاقتراب من القارة الأمريكية، خاصة مع تطور القدرات الصاروخية الروسية والصينية. ويربط المحللون التوسع الأمريكي الجديد بمشروع القبة الذهبية للدفاع الصاروخي، وهو ما يفسر السعي لتحديث الاتفاقيات القديمة وتثبيت حقوق الوصول.
ويُقرأ الاتفاق أيضاً باعتباره تحركاً وقائياً لتقييد حركة روسيا والصين في القطب الشمالي، سواء عبر الحضور العسكري الروسي أو المحاولات الاقتصادية الصينية في مجالي الموارد والبنية التحتية.
تحديات التنفيذ والجدل المحلي
كشفت المناقشات البرلمانية في 12 أكتوبر 2026 عن تأييد الأغلبية للاتفاق، مقابل اعتراضات بشأن غموض التنفيذ وعدم ضمان مقابل مالي ثابت للحقوق الممنوحة. كما تخضع مشروعات الاستكشاف لموافقات بيئية ومحلية قد تؤثر في توقيتها، وقد أعلنت حكومة غرينلاند تعذر تنفيذ برنامج الحفر المقترح لشركة وايت فليم إنرجي خلال شتاء 2026-2027.
ويرى المراقبون أن دخول الاتفاق حيز النفاذ يرتبط باستكمال الإجراءات البرلمانية في الدنمارك وغرينلاند وإخطار واشنطن بذلك، إضافة إلى توفير التمويل والاتفاق على التفاصيل الفنية للمناطق الدفاعية الجديدة.
تداعيات محتملة على التوازنات الدولية
يتوقع أن يؤدي تنفيذ التوسعات الأمريكية إلى رفع مستوى التنافس الاستراتيجي في القطب الشمالي، إذ قد تنظر موسكو إلى هذه القدرات باعتبارها مؤثرة في توازن الردع، مما قد يدفعها إلى زيادة أنشطة الرصد والمناورات. كما قد تبحث بكين عن قنوات بديلة لتعزيز حضورها العلمي والاقتصادي في المنطقة.
ويظل السؤال الأهم، كما تشير مونت كارلو الدولية إلى سياقه الأوسع، هو ما إذا كان هذا الاتفاق سيعيد دمج غرينلاند في الأمن الأطلسي الجماعي، أم سيرسخ مساراً موازياً لثنائية أمريكية دنماركية خارج مظلة الناتو، خاصة أن الاتفاق يشترط بقاء غرينلاند في الحلف حتى في حال استقلالها المستقبلي.
