كشفت صحيفة عكاظ، في مقال مطوّل نشرته نهاية أكتوبر 2026، وجهاً غير مألوف من شخصية المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه، يتمثل في ذائقة موسيقية رفيعة تميل إلى التسجيلات التاريخية الكبرى لعظماء الأداء في القرن العشرين.
ووفقاً لما أوردته صحيفة عكاظ، فإن المستشار آل الشيخ نشر على حسابه الشخصي في إنستغرام، خلال الأشهر الأخيرة، تسجيلات نادرة يتصدرها فلاديمير هوروفيتز وهو يعزف «أحلام اليقظة» لشومان، وكونشرتو البيانو الثالث لراخمانينوف، وتسجيل تاريخي بالأبيض والأسود يجمع هربرت فون كارايان ويهودي مينوهين في كونشرتو الكمان الخامس لموتسارت، إضافة إلى أداءات لفيليب هيرشهورن ومكسيم فينغيروف.
اختيارات تتجاوز الذاكرة الشائعة
ولاحظت الكاتبة، وهي مؤلّفة موسيقية تحمل تجربة عالمية في التأليف وإدارة المؤسسات الموسيقية، أن هذه الأسماء ليست عابرة في تاريخ الموسيقى، وأن العودة إليها في تسجيلات بعينها يعني الإصغاء إلى شخصيات موسيقية أعادت اكتشاف إمكانات المؤلفات وتركت قراءات أصبحت جزءاً من تاريخ التفسير الموسيقي. فاختيار عملاً لشومان أو راخمانينوف أمر، كما كتبت، والعودة إلى هوروفيتز أو مينوهين أو كارايان في تسجيلات محددة أمر آخر.
وأشارت الكاتبة إلى أن هذه الكنوز الموسيقية لم تعد تسكن الذاكرة السمعية الواسعة، وأن أجيالاً كاملة قد لا تتاح لها فرصة اكتشافها، لا لنقص في استعدادها للتذوق، بل لأن الإنسان لا يستطيع أن يختار الإصغاء إلى ما لم يعرف بوجوده أصلاً.
مؤتمر الموسيقى العربية ومشروع توثيق التراث
ولم تكن الاختيارات الموسيقية وحدها ما استوقف الكاتبة، بل استعادت أيضاً مؤتمر الموسيقى العربية الذي ترأسه آل الشيخ في الرياض عام 2025، وما أثاره لديها من اهتمام بمشروع توثيق التراث الموسيقي العربي، ولا سيما التراث الموسيقي للمملكة العربية السعودية التي تختزن، بامتداد مناطقها وتنوع بيئاتها، ثراءً استثنائياً في المقامات والإيقاعات وأساليب الأداء.
فمن يتتبع هذا الإرث عبر مناطق المملكة، كما وصفت الكاتبة، يكاد يعبر قارة من التعبيرات الموسيقية المختلفة، تتكشف فيها طبقات من التاريخ والذاكرة الموسيقية التي تناقلتها الأجيال. ولطالما رأت الكاتبة في الجزيرة العربية أحد الجذور الكبرى للذاكرة الموسيقية العربية، وفي تراثها الشفهي والمسموع طبقات من تاريخ موسيقي لم تُستكشف بعد بما يكفي.
وحذرت الكاتبة من أن مساحات واسعة من هذا الإرث، من الجزيرة العربية إلى بلاد الشام والعراق ووادي النيل والمغرب العربي، ظلت تنتقل شفهياً دون أن تحظى بما يكفي من الجمع والتدوين والتحليل العلمي، وأن خصوصيات مقامية وبنى إيقاعية مركّبة فقدت أو لم يبقَ منها إلا شذرات لأنها لم تُوثَّق في زمن كانت لا تزال فيه حيّة.
التوثيق العلمي إنجاز حضاري
ورأت الكاتبة أن مبادرة آل الشيخ عبر مؤتمر الموسيقى العربية تضع قضية التوثيق العلمي في صلب الاهتمام، وتفتح أمام الباحثين إمكان العمل على مادة تراثية واسعة تحتاج إلى الجمع والتصنيف والتحليل قبل أن تضيع بعض ملامحها مع تعاقب الأجيال. ووصفت تدوين هذا التراث بأنه إنجاز حضاري بحد ذاته، لأنه يحوّل الذاكرة المتوارثة إلى معرفة متاحة للبحث والتعليم.
وتوقعت الكاتبة أفقًا آخر لهذا العمل، وهو أن تصبح المادة الموثقة من منابع التأليف الجديد، وأن تدخل في بناء أعمال سيمفونية وأوبرالية ومسرحية وسينمائية كبرى تنطلق من خصوصية الذاكرة العربية إلى فضاءات الإبداع العالمي.
من صناعة المشهد إلى صناعة الوعي
وتركي آل الشيخ، الذي يشغل موقع مستشار في الديوان الملكي بمرتبة وزير ورئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه كما تذكر ويكيبيديا، ترك بصمة واضحة في صناعة الترفيه في المنطقة. ومن هنا طرحت الكاتبة سؤالاً يتجاوز الموسيقى نحو أفق أوسع: ماذا لو كانت المرحلة المقبلة في مسيرته هي الانتقال من صناعة الترفيه الذي يصل إلى الملايين إلى صناعة عمق فكري وجمالي يصل إلى الملايين أيضاً؟
وأوضحت أنها لا تتحدث عن تحويل الترفيه إلى خطاب نخبوي، بل عن ابتكار سيناريو ثقافي وموسيقي جديد يجعل من العمق نفسه تجربة جماهيرية آسرة. فعنصر الجماهيرية، في تقديرها، ليس نقيض العمق، وربما لم تكن المشكلة يوماً في استعداد الناس لتلقي الجمال الرفيع، بل في العجز أحياناً عن ابتكار الأشكال التي تتيح لهم اكتشافه.
وشدّدت الكاتبة على أن الأمم لا تصنع تاريخاً جديداً بمجرد تغيير ما تنتجه وتستهلكه، بل حين يتغير مستوى الوعي الذي تفكر به ونوعية الأسئلة التي تطرحها. ورأت أمام المملكة العربية السعودية فرصة ومسؤولية وطنية وحضارية استثنائية: أن يمتد دورها الريادي في صناعة المشهد إلى المساهمة في صناعة تحول ثقافي وفكري لا يقتصر أثره على مجتمعها بل يتسع إلى محيطها العربي.
إضافة إلى النهضة الثقافية السعودية
وخلصت الكاتبة إلى أن تجربة بهذا الطموح، إذا انطلقت من المملكة، لن يُقاس أثرها بعدد الفعاليات أو حجم الجمهور وحدهما، بل بما يمكن أن تضيفه إلى التكوين الثقافي لأجيال كاملة، وبما تتيحه للمبدعين العرب من فرص للانتقال بإرثهم ومعارفهم إلى فضاءات موسيقية وفنية عالمية.
ورأت أن هذه التجربة يمكن أن تضيف بعداً جماهيرياً جديداً إلى النهضة الثقافية التي تقودها وزارة الثقافة السعودية، وأن ربما تكون بصمته المقبلة، بعد أن غيّر حجم المشهد، أن يغيّر عمقه، فتغدو القدرة على صناعة المشهد قدرةً على توسيع آفاق الوعي.
أسئلة شائعة
ماذا نشر تركي آل الشيخ على حسابه في إنستغرام؟
نشر تسجيلات تاريخية لعظماء الأداء الموسيقي في القرن العشرين، منها هوروفيتز في «أحلام اليقظة» لشومان، وكونشرتو راخمانينوف الثالث، وتسجيل يجمع كارايان ومينوهين في كونشرتو موتسارت للكمان.
ما مشروع مؤتمر الموسيقى العربية في الرياض؟
ترأس تركي آل الشيخ مؤتمر الموسيقى العربية في الرياض عام 2025، وأطلق من خلاله مبادرة لتوثيق التراث الموسيقي العربي، وفي مقدمته التراث الموسيقي السعودي، جمعاً وتصنيفاً وتحليلاً علمياً.
لماذا يعتبر توثيق التراث الموسيقي مهماً؟
لأن مساحات واسعة من هذا الإرث انتقلت شفهياً دون تدوين، وقد فقدت خصوصيات مقامية وبنى إيقاعية لأنها لم تُوثَّق في زمن كانت لا تزال فيه حية على ألسنة أصحابها.
