أكد الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، أن التراث الطبي العربي يقدم تجربة حضارية جمعت بين المعرفة العلمية والقيم الأخلاقية والإنسانية، وأن حفظ هذا التراث ونشره يسهم في صون الذاكرة العلمية للأمة العربية والإسلامية. جاء ذلك يوم الأربعاء 17 جمادى الأولى 1448هـ الموافق 28 أكتوبر 2026م، خلال افتتاح المؤتمر الدولي الرابع عشر حول تاريخ الطب في مدينة فاس المغربية.
وألقى سموه كلمة بعنوان «الأخلاق الطبية في التراث العربي وإسهامات مركز الملك فيصل في حفظ ونشر تراثها»، استعرض فيها الجذور التاريخية للأخلاق الطبية وتطور آداب الممارسة والتعليم، وفق ما أوردت جريدة الرياض في تغطيتها للفعالية.
فاس منارة علمية تصل المشرق بالمغرب
واستهل الأمير تركي الفيصل كلمته بالإشادة بمكانة فاس العلمية والحضارية ودورها التاريخي في توثيق الصلات المعرفية بين المغرب والمشرق، معربا عن تقديره للقائمين على المؤتمر لاختيارهم موضوع الأخلاق الطبية بما يفتحه من آفاق للحوار بين تاريخ الطب وحاضره.
وأوضح سموه أن الطب يحتل مكانة خاصة في حياة الإنسان، إذ يلجأ المريض إلى طبيبه حين يشتد عليه الألم ويأتمنه على مخاوفه وأسراره، فتقوم العلاقة بينهما على الثقة والأمانة والمسؤولية. وأكد أن اتساع قدرة الطبيب العلمية يضاعف مسؤوليته الأخلاقية، وأن ضعف المريض وحاجته إلى العلاج يعظمان حقه في الرعاية والإحسان.
الجذور الإسلامية للأخلاق الطبية
واستعرض الأمير تركي الفيصل الجذور المبكرة للمعرفة الطبية عند العرب، موضحا أن خبراتهم في التداوي سبقت ظهور الإسلام، وأن كتب الأدب والتراجم حفظت أخبار بعض أطبائهم ومنهم الحارث الثقفي. وأشار إلى حضور الطب في عصر النبوة، مستشهدا بما ورد في صحيح مسلم من أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث إلى أبي بن كعب طبيبا، في دلالة على أهمية طلب العلاج والرجوع إلى أهل الاختصاص.
وأبان أن الإسلام جاء بتكريم الإنسان والدعوة إلى الإحسان، فوجدت العناية بالمريض في هذه القيم أصلا دينيا واسعا، كما حثت الأحاديث النبوية على الأخذ بأسباب العلاج والرجاء في الشفاء. وأشار إلى اهتمام علماء الحديث بجمع أخبار التداوي، ومنها ما أورده عبدالملك بن حبيب الأندلسي في كتابه «طب العرب».
العصر العباسي وحركة الترجمة والتأليف
وتناول سموه تطور المعرفة الطبية في العصر العباسي حين نشطت ترجمة المؤلفات اليونانية بما حملته من علوم أبقراط وجالينوس ووصايا المهنة وآدابها، مبرزا دور حنين بن إسحاق ومدرسته في نقل هذه المعارف من اليونانية وعبر السريانية قبل أن تتسع حركة التأليف والشرح باللغة العربية.
وأكد أن التراث العربي اتسم باتساعه الحضاري إذ شارك في بنائه علماء من أديان وخلفيات متعددة جمعتهم اللغة العربية بوصفها وعاء للمعرفة. واستشهد بقول سنان بن ثابت بن قرة رئيس أطباء بغداد في مطلع القرن الرابع الهجري: «الناس منحدرون من قبيل واحد، ومتناسبون تجمعهم الإنسانية».
كما تطرق إلى انتقال وصايات أبقراط إلى الثقافة العربية وما تضمنته من مبادئ حسن معالجة المرضى وصيانة أسرارهم والوفاء للمعلم، مشيرا إلى حفظ بعض نصوصها في كتاب «عيون الأنباء في طبقات الأطباء» لابن أبي أصيبعة. وأوضح أن هذا الموروث تداخل مع القيم الدينية والعربية فنشأت مؤلفات تناولت الأخلاق الطبية من واقع التجربة، ومنها كتاب «أدب الطبيب» لإسحاق بن علي الرهاوي الذي نشره مركز الملك فيصل قبل ثلاثة عقود.
نماذج خالدة في الأمانة العلمية
واستشهد الأمير تركي الفيصل بتعبير الطبيب علي بن رضوان عن غاية الطب بأنها «كشف الكرب عن المرضى»، بما يتجاوز معالجة الألم الجسدي إلى تخفيف القلق والمعاناة النفسية. وأبرز وصية الرهاوي للأطباء: «ولا يفرق في ذلك بين صديقه وعدوه، ولا بين موافقه ومخالفه»، في دعوة إلى تقديم واجب الإحسان على الأهواء الشخصية.
وتناول كذلك قيمة الاستدراك العلمي على المتقدمين، مستعرضا موقف أبي بكر الرازي من جالينوس في مقدمة كتابه «الشكوك على جالينوس». فقد اعترف الرازي بفضل جالينوس في تكوينه العلمي بقوله: «به اهتديت، وبأثره اقتفيت، ومن بحره استقيت»، لكنه أكد ضرورة فحص الأقوال وتحري الصواب مهما علت منزلة أصحابها، في نموذج يجمع الوفاء للمعلم مع الأمانة العلمية ومسؤولية التصحيح.
مركز الملك فيصل وحفظ التراث الطبي
وخصص سموه جانبا من كلمته لرسالة مركز الملك فيصل في حفظ التراث الطبي العربي ودراسته ونشره، موضحا أن المركز ينظر إلى الكتاب المخطوط بوصفه شاهدا على حياة العلم وتطوره وليس مجرد أثر يحتفظ به لقدم عهده. وأشار إلى أن المخطوطات الطبية تكشف مسارات انتقال المعرفة بين العلماء والبلدان.
واستعرض عددا من المخطوطات التي يحتفظ بها المركز، ومنها كتاب «نتيجة الفكر في علاج أمراض البصر» لأحمد بن عثمان القيسي المنسوخ في مكة المكرمة عام 919هـ، ومختصر للمقالة الجراحية من كتاب «التصريف لمن عجز عن التأليف» لأبي القاسم الزهراوي المنسوخ عام 1129هـ والذي يشتمل على رسوم للأدوات الجراحية.
ومن إصدارات المركز في هذا الميدان كتاب «نور العيون وجامع الفنون» لصلاح الدين الكحال الحموي الصادر عام 1406هـ، وكتاب «كشف الرين في أحوال العين» لابن الأكفاني الصادر عام 1412هـ، وكتاب «مصالح الأبدان والأنفس» لأبي زيد البلخي المنشور عام 1423هـ، والذي يقدم تصورا لعافية الإنسان يتجاوز علاج الجسد إلى سلامة النفس وسكونها.
من حقوق المريض إلى حق العلم
وشدد الأمير تركي الفيصل على أن العناية بالتراث الطبي لا تعني الدعوة إلى استعادة الممارسات العلاجية القديمة، وإنما تهدف إلى استعادة خبرة بشرية في طلب المعرفة والكشف عن ارتباط الممارسة الطبية بالتثبت والرحمة والاعتراف بالخطأ وتصحيحه، وهي قيم تظل جديرة بالتأمل رغم تغير أدوات الطب.
وفي ختام كلمته أكد سموه أن الحديث عن الأخلاق الطبية بدأ من حقوق المريض على الطبيب وانتهى إلى حق العلم في أن يحفظ بأمانة ويقرأ بإنصاف ويتاح للأجيال، داعيا إلى أن يكون العلم سبيلا إلى الرحمة والمعرفة بابا إلى صون الكرامة والتعاون جسرا بين الشعوب.
ويأتي هذا الحضور العلمي للمملكة في فاس امتدادا لمكانتها الراسخة في خدمة الفكر الإسلامي والعربي، على خطى جهود مركز الملك فيصل التي توجت مؤخرا بانتخاب الأمير تركي الفيصل عضوا بالأكاديمية المملكة المغربية، حيث ألقى محاضرة عن «الأدوار الثقافية المستجدة في عالم متغير» دعا فيها إلى صون الهوية الثقافية أمام التحولات الرقمية، وفق ما أوردت صحيفة مكة، فيما نقلت هيسبرس دعوته إلى تعزيز قدرة المجتمعات على حماية هوياتها.
أسئلة شائعة
ما موضوع المؤتمر الدولي الرابع عشر حول تاريخ الطب؟
عقد المؤتمر في مدينة فاس المغربية بتاريخ 28 أكتوبر 2026م حول الأخلاق الطبية في التراث العربي وإسهامات مركز الملك فيصل في حفظ التراث ونشره.
ما دور مركز الملك فيصل في خدمة التراث الطبي؟
يعمل المركز على حفظ المخطوطات الطبية وتحقيق نصوصها ونشرها نشرا علميا، وأصدر عددا من المؤلفات الطبية المهمة مثل «أدب الطبيب» للرهاوي و«مصالح الأبدان والأنفس» للبلخي.
لماذا يهتم التراث العربي بأخلاق الطبيب؟
لأن العلاقة بين الطبيب والمريض تقوم على الثقة والأمانة، وقد جمع علماء التراث العربي في مؤلفاتهم بين علاج الأبدان وتهذيب الأخلاق انطلاقا من القيم الدينية الإسلامية.