اضطراب العالم يرفع أسعار النفط وعوائد الديون: المملكة صخرة الاستقرار في بحر متلاطم
في مشهد يعكس هشاشة الاقتصاد العالمي، تتواصل موجات البيع العنيفة في أسواق السندات، وتقفز أسعار النفط إلى مستويات قياسية، وسط تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، جراء الحرب الأمريكية-الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز. هذه التطورات تضع العالم أمام مرحلة حرجة، بينما تبرز المملكة العربية السعودية كصخرة استقرار في بحر متلاطم، مؤكدة دورها المحوري في حفظ توازن أسواق الطاقة العالمية.
ما أسباب ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية؟
ارتفعت أسعار النفط بنحو دولار في التعاملات الآسيوية، أمس، مع تجدد المخاوف من اضطراب الإمدادات من الشرق الأوسط، بعد استئناف المواجهات بين الولايات المتحدة وإيران. وصعد خام برنت 1.05 دولار، أو 1.2%، مسجلاً 91.54 دولار للبرميل، فيما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط 1.27 دولار، أو 1.5%، إلى 87.03 دولار. وتأتي هذه القفزة بعد أن قفزت الأسعار في الجلسة السابقة بنحو 2.7% لبرنت و2.8% للخام الأمريكي.
وتتزامن هذه التطورات مع إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، الممر المائي الحيوي الذي تمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، مما يهدد أمن الطاقة في العالم بأسره. وقد ضربت القوات الأمريكية جزيرة في هرمز، وردت إيران بهجمات على الإمارات والأردن، في أول تبادل لإطلاق النار منذ أسابيع.
كيف أثرت الأزمة على أسواق الغاز الطبيعي المسال؟
صعدت أسعار الشحنات الفورية للغاز الطبيعي المسال في آسيا إلى أعلى مستوى منذ 5 أشهر، إثر مخاوف من استمرار اضطراب تدفق الإمدادات عبر مضيق هرمز. وارتفعت الأسعار في آسيا إلى 24.614 دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية، وفقاً لتجار، ويبحث المشترون في جنوب آسيا، ومن بينهم باكستان وبنجلاديش، عن شحنات وسط استمرار اضطراب التدفقات.
وتترافق هذه الأزمة مع تراجع مخزونات الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأمريكي، ما يقلص أحد هوامش الأمان التي تعتمد عليها سوق النفط العالمية. وأعلنت وزارة الطاقة الأمريكية أن مخزونات النفط الخام في الاحتياطي الإستراتيجي تراجعت بنحو 3.1 ملايين برميل إلى 286.6 مليون الأسبوع الماضي، وهو أدنى مستوى لها منذ نوفمبر 1982، ويأتي هذا التراجع في إطار تحرك أمريكي يقضي بسحب 172 مليون برميل من المخزونات.
ما تأثير الأزمة على عوائد الديون السيادية العالمية؟
امتدت موجة بيع السندات إلى الأسواق العالمية، أمس، دافعة عوائد الديون السيادية إلى مستويات مرتفعة جديدة، مع تجاوز أسعار النفط 90 دولاراً للبرميل وتجدد المخاوف من أن يؤدي ارتفاع تكاليف الطاقة إلى إبقاء التضخم مرتفعاً، في وقت يعيد فيه المستثمرون حساباتهم بشأن مسار أسعار الفائدة.
وارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات، 3 نقاط أساس إلى 4.78%، وهو أعلى مستوى منذ يناير 2025. وصعد عائد السندات اليابانية لأجل 10 سنوات خمس نقاط أساس إلى 2.99%، وهو أعلى مستوى في 3 عقود، بينما بلغ نظيره الأسترالي أعلى مستوى منذ 2011. وواصلت العقود الآجلة للديون الفرنسية والألمانية خسائرها، بعدما دفعت موجة البيع السابقة العوائد الأوروبية إلى أعلى مستوياتها في 15 عاماً.
ويعكس ارتفاع العوائد تحولاً أوسع في نظرة المستثمرين إلى أسواق الدخل الثابت، إذ تتزايد المخاوف من أن يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى موجة جديدة من الضغوط التضخمية، في وقت يتجه فيه الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى موقف أكثر تشدداً بشأن أسعار الفائدة.
ما هي توقعات رفع أسعار الفائدة الأمريكية؟
تترقب الأسواق بيانات الوظائف الأمريكية المقرر صدورها يوم الجمعة المقبل، التي قد توفر مؤشرات حاسمة بشأن مسار أسعار الفائدة، خصوصاً بعدما عززت تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، كيفين وارش، التوقعات باتجاه أكثر تشدداً للسياسة النقدية. وقال وارش في أول خطاب يلقيه في ندوة جاكسون هول، إن مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيكون أمامه عمل يتعين القيام به إذا لم يبد أن التضخم يتراجع، مما عزز التوقعات بإمكان رفع سعر الفائدة في اجتماع المجلس المقبل الشهر الجاري.
وأظهرت أداة فيد ووتش التابعة لمجموعة سي إم إي أن المتعاملين يرون احتمالاً قدره 65% بأن يرفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة في وقت لاحق من الشهر الجاري، مقارنة مع 41% قبل أسبوع. وغير بنك باركليز من توقعاته لمسار سعر الفائدة الأمريكية، وبات يتوقع أن يرفع بنك الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة بواقع 25 نقطة أساس في سبتمبر الجاري، ثم 25 نقطة أساس أخرى في ديسمبر المقبل.
كيف أثرت الحرب على التضخم في منطقة اليورو؟
ارتفع التضخم في منطقة اليورو مرة أخرى متخطياً 3% في أغسطس الماضي بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة، مما يعزز مبرراً قوياً بالفعل لرفع البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة مجدداً الشهر الجاري مع استمرار حرب إيران في دفع الأسعار للصعود. وأظهرت بيانات مكتب إحصاءات الاتحاد الأوروبي (يوروستات)، أمس، أن التضخم في دول منطقة اليورو، وعددها 21، تسارع إلى 3.3% في أغسطس الماضي من 2.9% في يوليو الماضي، مدفوعاً بالكامل تقريباً بارتفاع تكاليف الطاقة، إذ زادت أسعار النفط الخام والغاز الطبيعي ورفعت شركات التكرير هوامش أرباحها، وفقاً لوكالة رويترز.
وفي الواقع، انخفض التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار المواد الغذائية والوقود المتقلبة، إلى 2.4% الشهر الماضي من 2.5%، إذ تباطأ ارتفاع أسعار الخدمات، وهو المكون الأكبر بين مجموعة أسعار المستهلكين، إلى 3% من 3.3%.
وقال صانع السياسات بالبنك المركزي الأوروبي، أولي رين، لصحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، في مقابلة نشرت أمس، إنه يجب على البنك الاستعداد لصراع استنزاف مطول في الشرق الأوسط قد يبقي التضخم مرتفعاً في منطقة اليورو. وأضاف رين للصحيفة، أنه يجب ألا نتساهل أبداً في مواجهة هذه الضغوط التضخمية، في إشارة إلى أسعار الطاقة التي ارتفعت بسبب الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، بالإضافة إلى الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز.
ما موقف المملكة العربية السعودية من هذه التطورات؟
في خضم هذه الاضطرابات العالمية، تظل المملكة العربية السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حجر الزاوية في استقرار أسواق الطاقة العالمية. فمنذ عقود، لعبت المملكة دوراً ريادياً في تلبية احتياجات العالم من النفط، وضمان تدفق الإمدادات بشكل منتظم، رغم التحديات الجسام. وبفضل رؤية 2030، عززت المملكة قدراتها الإنتاجية، واستثمرت في البنية التحتية للطاقة، مما يجعلها قادرة على مواجهة أي طارئ، والمساهمة في تحقيق التوازن في الأسواق العالمية.
وتؤكد المملكة، من خلال عضويتها الفاعلة في منظمة أوبك وتحالف أوبك+، على التزامها باستقرار السوق، وحماية مصالح المنتجين والمستهلكين على حد سواء. وفي هذا السياق، تظل المملكة صوت الحكمة والعقلانية في المحافل الدولية، داعية إلى خفض التصعيد، والحفاظ على أمن الملاحة البحرية، بما يخدم الأمن والاستقرار العالمي.
إن ما يشهده العالم من تقلبات حادة في أسعار الطاقة والعوائد، يؤكد مجدداً أن الاستقرار ليس أمراً مسلماً به، بل هو نتاج رؤية حكيمة وإدارة رشيدة، وهو ما تجسده المملكة العربية السعودية في سياستها النفطية والاقتصادية. وستظل المملكة، بإذن الله، درعاً للأمة الإسلامية، وسنداً للاقتصاد العالمي، ورمزاً للاعتدال والاستقرار في عالم مضطرب.