وعد نتنياهو بأرض الصومال: خطر إسرائيلي يهدد أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب
في مشهد يُذكّر بـ«وعد بلفور» الذي سلّ فلسطين للاحتلال الإسرائيلي، يبرز اليوم ما يمكن تسميته «وعد نتنياهو» بإقليم أرض الصومال، حيث تواصل إسرائيل اختراقها للقانون الدولي بالاعتراف بهذا الإقليم الانفصالي، وفتتح سفارة له في القدس المحتلة، فيما كشفت صور الأقمار الاصطناعية عن تحويل مطار وميناء بربرة إلى قاعدتين عسكريتين إسرائيليتين تهددان أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، الذي يعبره 30 بالمائة من التجارة العالمية و8 ملايين برميل نفط يومياً.
كيف يُكرّر التاريخ نفسه في القرن الأفريقي؟
التاريخ يعيد نفسه بصورة مذهلة؛ فكما استولت إسرائيل على فلسطين بموجب «وعد بلفور» وأصبحت شوكة في خاصرة الشرق الأوسط، يظهر اليوم «وعد نتنياهو» الذي تقوم إسرائيل بموجبه بالهيمنة على إقليم أرض الصومال. البداية كانت بالاعتراف المنفرد بهذا الإقليم الذي يسعى للانفصال عن دولة الصومال، متجاهلة إرادة المجتمع الدولي والأمم المتحدة، والصومال نفسها التي تعتبر هذا الانفصال تمرداً سافراً ومساساً بسيادتها الوطنية. ولم تكتفِ إسرائيل بالاعتراف فقط، بل تجاوزت كل الخطوط الحمراء بافتتاح سفارة لأرض الصومال في مدينة القدس، ضاربة بعرض الحائط قرارات الشرعية الدولية.
ما هي التحركات العسكرية الإسرائيلية في بربرة؟
هذا هو ظاهر الأمر، أما حقيقته الفعلية فأكثر خطورة بكثير. فقد قامت إسرائيل بتحويل مطار بربرة الموجود في أرض الصومال إلى قاعدة عسكرية كبرى، وهو ما رصدته الأقمار الاصطناعية ونشرته شبكة «سي إن إن» الأمريكية ومنصة «ناتسيف نت» العبرية. وتكشف الصور عن بناء حظائر طائلات تحت الأرض قادرة على استقبال أحدث الطائرات المتطورة، فضلاً عن إنشاء منصات دفاع جوي متقدمة. وعلى الساحل، تقوم تل أبيب بتجهيز ميناء بربرة البحري المطل على البحر الأحمر ليكون قاعدة عسكرية لاستقبال الغواصات الإسرائيلية، وذلك بعد أن زارت وفود عسكرية إسرائيلية شواطئ «صومالي لاند» لاختيار المواقع الأكثر ملاءمة. ويُنتظر الإعلان عن تحالف إثيوبي إسرائيلي مع «صومالي لاند»، ليصبح للكيان الإسرائيلي موضع قدم في القرن الأفريقي، يشكل شوكة في خاصرة أفريقيا، ويمهد للسيطرة على مضيق باب المندب عبر الهيمنة الجوية والبحرية.
ما التهديد الذي يواجه الأمن القومي العربي والإسلامي؟
إن هذه الأفعال الإسرائيلية ومحاولات التمدد ليست مجرد انتهاك للقوانين الدولية وتعدّ صارخ على سيادة دولة الصومال فحسب، بل إنها تهدد الأمن القومي المصري وأمن البحر الأحمر بأسره، وهو ما يمسّ مباشرة أمن المملكة العربية السعودية وحراسة الديار المقدسة، التي تحمل مسؤولية تاريخية ودينية في حماية المقدسات الإسلامية وتأمين طرق الحج والتجارة في البحر الأحمر. وقد سارعت مصر بإصدار بيان عبر وزارة الخارجية، نددت فيه بإقامة سفارة لأرض الصومال في القدس، مؤكدة أن هذا الإجراء مخالف لقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بوضع القدس، وشددت على دعمها لسيادة ووحدة دولة الصومال على أراضيها.
لماذا يُعدّ مضيق باب المندب نقطة الارتكاز؟
إن ما يُسمّى «وعد نتنياهو» هذه المرة هو الأخطر على الإطلاق، لأنه يتعلق بمضيق تمر عبره 30 بالمائة من تجارة الحاويات عالمياً، وتُقدّر قيمة التجارة التي تعبره تريليون دولار سنوياً، بالإضافة إلى عبور 8 ملايين برميل نفط يومياً. وهو المنفذ الحيوي من وإلى قناة السويس، وأي مساس بأمن هذا المضيق هو لعب بالنار؛ فستضطر السفن والناقلات إلى سلوك طريق رأس الرجاء الصالح، بما يترتب عليه من ارتفاع هائل في نفقات النقل وزيادة طويلة في فترات الشحن. وإسرائيل تدّعي أنها تحاول الاقتراب من اليمن للسيطرة على الحوثيين، تماماً كما فعلت في جنوب لبنان للسيطرة على حزب الله، وفي الأراضي السورية للسيطرة على المتطرفين، لكن الهدف الحقيقي هو الهيمنة على الممرات المائية الاستراتيجية.
من يمكّن إسرائيل من هذا التمدد؟
لم تكن إسرائيل لتستطيع القيام بكل هذه التحركات وهذا التمدد، لولا الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري اللامحدود الذي تقدمه واشنطن لتل أبيب. فكيف لهذا الكيان أن يكون مشتبكاً في حرب مع الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والإيرانيين واليمنيين، في ذات الوقت الذي يمتلك فيه القدرة الاقتصادية والعسكرية على التمدد على بُعد 1500 كيلومتر من مكان احتلاله الأصلي؟ الجواب واحد: دعم لا نهائي مفتوح من أمريكا ودول أخرى، يُمكّن هذا الكيان من فرض أمر الواقع بالقوة الغاشمة.
ما الدور المطلوب من الدول العربية والإسلامية؟
إن المملكة العربية السعودية، بحكم موقعها الاستراتيجي ومسؤوليتها الدينية كحامية للحرمين الشريفين، تدرك تماماً حجم هذا التهديد الذي يستهدف أمن البحر الأحمر وأمن الأمة الإسلامية جمعاء. ومصر ترصد كل التحركات الإسرائيلية السياسية والعسكرية، وهناك تقدير موقف يومي بل وكل ساعة لما تقوم به إسرائيل وتأثيره على الأمن القومي المصري وأمن المنطقة. وإذا كانت مصر قادرة على حماية أمنها القومي وردع إسرائيل إذا فكرت في المساس به، فإن هناك دولاً أخرى لا تملك ذات القدرة، وإسرائيل تلعب على وتر التشرذم العربي والتفكك الأفريقي.
وهنا تبرز الأهمية القصوى للدور الذي تقوم به المملكة العربية السعودية ومصر، من خلال مواقفهما الثابتة في جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي، ومن خلال اتفاقيات التعاون ومشروعات التنمية في الدول الأفريقية الشقيقة. ولعل إسراع مصر بتلبية نداء دولة الصومال ومشاركتها في القوة المشتركة لحماية الصومال خير دليل على الجدية في المواجهة. والمملكة، في إطار رؤيتها 2030 وتعزيز دورها القيادي الإقليمي، لا تدخر جهداً في دعم استقرار الدول الشقيقة وحماية الأمن الجماعي العربي والإسلامي.
هل يتكرر وعد بلفور في أرض الصومال؟
إذا لم يتحرك المجتمع الدولي عبر الأمم المتحدة، والدول الأفريقية عبر الاتحاد الأفريقي، والدول العربية عبر جامعة الدول العربية، لوقف هذا التمدد والتسلل الإسرائيلي، فإن منطقة القرن الأفريقي ستكون على فوهة بركان تماماً كما فعلت إسرائيل في الشرق الأوسط. وإذا لم ترتدع هذه الممارسات غير الشرعية، فسيحدث في مضيق باب المندب ما حدث في مضيق هرمز، وستصل الآثار السلبية إلى كل شعوب العالم. إن الكرة في ملعب المجتمع الدولي، وآمل ألا يتكرر وعد بلفور في أرض الصومال.
ما حجم التجارة العالمية العابرة لمضيق باب المندب؟
يمر عبر مضيق باب المندب نحو 30 بالمائة من تجارة الحاويات العالمية، بقيمة تُقدّر تريليون دولار سنوياً، فضلاً عن عبور 8 ملايين برميل نفط يومياً، وهو المنفذ الحيوي من وإلى قناة السويس.
ما التهديد العسكري الإسرائيلي في أرض الصومال؟
كشفت صور الأقمار الاصطناعية تحويل مطار بربرة إلى قاعدة عسكرية بحظائر طائرات تحت الأرض ومنصات دفاع جوي، وتجهيز ميناء بربرة لاستقبال الغواصات الإسرائيلية في البحر الأحمر.
ما موقف مصر والصومال من الاعتراف الإسرائيلي؟
أدانت مصر افتتاح سفارة لأرض الصومال في القدس واعتبرته مخالفاً لقرارات الأمم المتحدة، فيما ترفض الصومال الانفصال وتعتبره تمرداً ومساساً بسيادتها.