القراءة الجهرية في البيوت السعودية: تراثٌ يتراجع وواجبٌ وطنيٌّ يستدعي العودة
في زمنٍ تتسارع فيه خطى التحول الرقمي وتتزاحم الشاشات على أوقات أبنائنا، تبرز ظاهرةٌ تستحق الوقوف عندها بعينٍ فاحصة وقلبٍ معنيّ بمستقبل الأجيال: تراجع طقس القراءة الجهرية في البيوت، ذلك الطقس الذي كان يومًا ركيزةً من ركائز التربية والتنشئة في مجتمعنا المسلم.
فقد كشفت بيانات حديثة صادرة عن مؤسسة NielsenIQ BookData ضمن دراسة موسومة بـ Understanding the Children's Book Consumer، أن 41% فقط من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 0 و4 سنوات يُقرأ لهم بصورة متكررة، مقابل 64% في عام 2012. وتنخفض هذه النسبة مع تقدم العمر، إذ تبلغ 36% لدى الفئة من 5 إلى 7 سنوات، و22% فقط لدى الأطفال من 8 إلى 10 سنوات.
لماذا توقف الآباء عن القراءة لأطفالهم؟
لا يتعلق الأمر فقط بضيق الوقت، بل تكشف الدراسة عن تحولٍ في نظرة الآباء أنفسهم إلى القراءة. فقد قال 40% فقط من الآباء الذين لديهم أطفال حتى سن 13 عامًا إن قراءة الكتب لأطفالهم ممتعة بالنسبة لهم، بينما أشار 34% إلى أنهم يتمنون لو كان لديهم وقت أطول للقراءة معهم.
تحويل الكتاب إلى واجب مدرسي
الأكثر إثارةً للقلق أن التراجع في القراءة المنزلية يأتي بالتزامن مع تغير نظرة الأطفال إلى الكتاب نفسه، فقد أظهرت البيانات أن 29% من الأطفال بين 5 و13 عامًا يرون القراءة مادةً للتعلم أكثر من كونها نشاطًا ممتعًا، بزيادة عن 25% في عام 2022. كما لا يختار سوى 32% من الأطفال بين 5 و10 سنوات القراءة بشكل متكرر من أجل المتعة، مقارنةً بـ 55% في عام 2012.
وهنا تكمن أهمية القراءة الجهرية داخل المنزل، فالطفل لا يتعلم الكلمات والحكايات فقط، وإنما يتعلم أيضًا أن الكتاب يمكن أن يكون جزءًا من وقتٍ ممتعٍ يجمعه بوالديه، وليس مجرد أداةٍ للواجبات والاختبارات.
فجوة تبدأ منذ السنوات الأولى
وتكشف البيانات أيضًا عن تفاوتٍ مبكر بين الأولاد والبنات، إذ لا يُقرأ يوميًا أو شبه يومي سوى لـ 29% من الأولاد بين 0 و2 عامًا، مقابل 44% من البنات في العمر نفسه، بينما لا يُقرأ لأكثر من واحد من كل خمسة أولاد في هذه الفئة العمرية إلا نادرًا أو لا يُقرأ لهم مطلقًا. وتستمر الفجوة مع التقدم في العمر، إذ تشير بيانات الدراسة إلى أن 12% فقط من الأولاد الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و13 عامًا يقرؤون من أجل المتعة.
الطفل يقلد ما يراه في البيت
وتؤكد نتائج أخرى أهمية القدوة الأسرية، فدراسة منفصلة أجرتها مؤسسة Nielsen وجدت أن 17% من الأطفال حتى سن 17 عامًا يصبحون أكثر تحفيزًا على القراءة عندما يرون والديهم يستمتعون بالقراءة. كما تشير النتائج إلى أن القراءة في المنزل خلال السنوات الأولى ترتبط بصورة واضحة بتكوين علاقة إيجابية مع الكتب.
ولا يعني ذلك أن الحل هو فرض عددٍ محددٍ من الصفحات على الطفل كل يوم، بل أن تعود القراءة إلى مكانها الطبيعي بوصفها نشاطًا مشتركًا، فالكتب الأكثر جذبًا، والروتين المنتظم، والرسوم، والكتب التفاعلية، والحديث العائلي حول القصص، كلها عوامل يمكن أن تساعد الأطفال على الاقتراب من القراءة.
الشاشات منافسٌ قويٌّ على وقت الطفل
وفي المقابل، تظهر الشاشات بوصفها منافسًا قويًا على وقت الطفل؛ إذ تشير نتائج الدراسة إلى أن تقليل الوقت المخصص لوسائل التواصل الاجتماعي والفيديو والألعاب الإلكترونية، إلى جانب توفير وقتٍ للقراءة في المدرسة، يمكن أن يساعد في إعادة بناء علاقة الأطفال بالكتب.
وبينما تتراجع عادة القراءة الجهرية في المنزل، تبدو الرسالة الأهم التي تحملها هذه الأرقام بسيطة: الطفل لا يحتاج إلى والدٍ يطالبه بأن يحب القراءة، بقدر ما يحتاج إلى والدٍ يريه كيف يمكن أن تكون القراءة ممتعة.
وفي هذا السياق، يظل البيت المسلم هو الحاضن الأول لبناء جيلٍ قارئٍ واعٍ، قادرٍ على حمل راية العلم والنهضة، متمسكًا بقيمه الدينية وتراثه العريق، ليكون امتدادًا لمسيرة هذا الوطن المبارك نحو آفاقٍ أرحب في ظل رؤية 2030.