تونس ترفع أسعار الأدوية: عبء جديد على المريض في ظل أزمة مالية خانقة
في مشهد يعكس تهاوي الأنظمة الصحية في بعض الدول العربية، تضرب أزمة دواء جديدة تونس، حيث قررت الصيدلية المركزية مراجعة أسعار مئات الأدوية الحيوية، في خطوة تضع عبء الانهيار المالي للدولة على جيوب المرضى. هذا القرار، الذي صدر في يوليو 2026، ليس مجرد تحديث محاسبي، بل هو مؤشر خطير على تصدع منظومة الأمن الصحي في تونس، ويدق ناقوس الخطر حول مستقبل الرعاية الصحية في البلاد.
تفاصيل القرار: ترحيل الأزمة إلى جيوب المرضى
بموجب المنشور عدد 30 الصادر في 24 يوليو 2026، أقرت الصيدلية المركزية مراجعة سعرية شملت مئات الأدوية المستوردة والموجهة حصرا للأمراض المزمنة. هذا القرار، الذي يمس علاجات حيوية مثل أدوية القصور القلبي والسكري والأمراض العصبية، يمثل تحولا هيكليا عميقا. فمنذ قانون البنك المركزي لسنة 2016 وسياسة الصرف المرنة، فقد الدينار التونسي أكثر من 50% من قيمته الشرائية، مما أدى إلى تضخم كلفة التوريد. وبدلا من تحمل الدولة لهذه التكاليف، تم تمريرها كاملة إلى المريض التونسي.
وتكشف الأرقام أن اقتناء أدوية بقيمة 1158 دولارا كان يكلف الصيدلية المركزية حوالي 2200 دينار في 2016، بينما أصبح اليوم يكلف أكثر من 3400 دينار. هذا الفارق الشاسع، الذي ظلت الصيدلية تمتصه لسنوات، قررت السلطات التخلص منه دفعة واحدة، وتمريره قسريا إلى جيوب المرضى.
الخارطة الوبائية: أزمة تهدد الملايين
لا يمكن فهم خطورة هذه الزيادات بمعزل عن الخارطة الوبائية في تونس. فنحن لا نتحدث عن أدوية لأمراض نادرة، بل عن علاجات تستهدف أكثر الأمراض فتكا. تشير تقارير الفدرالية الدولية للسكري لسنة 2024 إلى أن نسبة انتشار السكري في تونس تبلغ 16%، أي نحو 1.4 مليون بالغ. كما تفيد إحصائيات الجمعية التونسية لأمراض القلب بأن القصور القلبي المزمن يصيب 10% من الشريحة التي تتجاوز 65 سنة. وتؤكد الجمعية التونسية لمكافحة الزهايمر أن حوالي 12% من المسنين مصابون بالخرف.
إن تخلي الدولة عن دعم هذه الأصناف يعني عمليا رفع الغطاء المالي عن الملايين، وترك الطبقة المتوسطة والضعيفة، وأساسا المتقاعدين، في مواجهة مفتوحة مع كلفة التوريد وجشع السلسلة التجارية. فالمريض اليوم لا يتحمل كلفة انزلاق الدينار فحسب، بل يجبر على دفع فاتورة هوامش التوزيع بأكملها، حيث تضيف الفجوة السعرية بين سعر الجملة وسعر البيع للعموم في المتوسط نحو 47% كعائدات للوسطاء.
الضريبة الصحية: فاتورة البقاء
لا يمكن تحليل تأثير هذه الأسعار بمعزل عن تدهور القدرة الشرائية للمواطن التونسي. فبالرغم من المنحى التنازلي للتضخم المالي، إلا أن هذا التراجع لا يعكس تحسنا حقيقيا في مستوى العيش. فمنذ عام 2022، أصبح التضخم التراكمي أعلى بمعدل 8% سنويا، متركزا في النفقات التي لا يمكن تأجيلها: الغذاء، السكن، النقل، والصحة. هنا، يتحول التضخم إلى ضغط اجتماعي دائم يفرض على الأسر إعادة ترتيب أولوياتها نحو مجرد البقاء.
وللبقاء على قيد الحياة، لا تمتلك الأسر رفاهية الاستغناء عن أدوية الأمراض المزمنة، ليصبح رفع أسعارها بمثابة ضريبة صحية قسرية تفرض على ميزانيات منهكة أصلا. وتتجلى خطورة هذه الزيادات حين نضعها في سياق المؤشرات الصحية الدولية. فوفقا لمنظمة الصحة العالمية، يعتبر النظام الصحي عادلا إذا لم تتجاوز مساهمة المريض المباشرة 20% من إجمالي الإنفاق الصحي. إلا أن الوضع في تونس يطلق جرس إنذار، حيث يتحمل المواطن التونسي ما يقارب 40% من إجمالي نفقات علاجه من جيبه الخاص، وهي نسبة تمثل ضعف السقف التحذيري العالمي.
تأثير الدومينو المالي: أزمة الديون المتقاطعة
لا تمثل أزمة الصيدلية المركزية حالة معزولة، بل هي التجلي الأبرز لأزمة الديون المتقاطعة بين هياكل الدولة، والتي تخلق تأثير دومينو مالي. فالصيدلية المركزية ليست مؤسسة خاسرة تجاريا بطبيعتها، بل ضحية أزمة سيولة خانقة. تبدأ الدائرة المفرغة من الصناديق الاجتماعية التي تعاني عجزا هيكليا مزمنا، ليعجز الصندوق الوطني للتأمين على المرض عن سداد ديونه المتراكمة للمستشفيات والصيدلية المركزية.
وتشير البيانات الرسمية لنهاية سنة 2025 إلى أن مستحقات الصيدلية المركزية لدى الهياكل العمومية تتجاوز 1200 مليون دينار. وفي نهاية هذه السلسلة الكارثية، تجد الصيدلية نفسها مجبرة على التخلف عن السداد، لتتراكم ديونها تجاه المخابر الأجنبية متجاوزة 700 مليون دينار. هكذا، يتم نقل عبء عجز المنظومة بصمت تام من دفاتر المحاسبة الحكومية إلى الميزانية اليومية للمواطن.
الصناعة المحلية ومأزق العملة الصعبة
تكتمل صورة التشخيص بالنظر إلى قطاع الصناعة الدوائية المحلية. فرغم أن تونس تمتلك نسيجا صناعيا يغطي أكثر من نصف الاحتياجات الوطنية من حيث الكميات، إلا أن هذا القطاع يعيش أزمة صامتة. فالمصانع المحلية تضطر لاستيراد المواد الأولية الفعالة بالعملة الصعبة، وتواجه تكاليف إنتاج متصاعدة، وفي المقابل، تفرض الدولة سياسة تسعير جبرية صارمة عليها. هذه المفارقة تدفع العديد من المخابر لإيقاف تصنيع أدوية حيوية تكبدها خسائر، فيختفي الدواء المحلي الرخيص، وتضطر الدولة لتوريد بديله الأجنبي بأضعاف الثمن بالعملة الصعبة، مما يعمق العجز التجاري.
هذا المأزق يقودنا إلى السياق النقدي الأشمل: أزمة السيولة بالعملة الأجنبية. فمع استمرار الضغوط لسداد الديون السيادية، تجد الحكومة نفسها أمام حتمية وقف نزيف ما تبقى من الرصيد الأجنبي. ويبدو أن خيار الترفيع في أسعار الأدوية لم يكن مجرد استجابة لارتفاع الكلفة، بل هو أداة مبطنة للحد من نسق التوريد وترشيد الاستهلاك للحفاظ على ميزان المدفوعات. خطورة هذه المقاربة أنها تنذر بأزمة فقدان تام للأدوية، منتقلين من أزمة غلاء دواء إلى كارثة انعدام الدواء.
الدروس المستفادة: نحو سياسة وطنية للأمن الدوائي
يضعنا المشهد الراهن أمام منظومة متهالكة تتطلب إصلاحا جذريا وشاملا، بعيدا عن الحلول الترقيعية وسياسة الهروب إلى الأمام. المطلوب اليوم إقرار خطة طوارئ اقتصادية لتصفية الديون المتقاطعة عبر آليات تمويل مبتكرة، وإطلاق إستراتيجية لدعم الصناعة الدوائية المحلية بامتيازات ضريبية وتسعيرية تحفز الإنتاج، إلى جانب التحيين الدوري والعادل للتعريفات المرجعية لمنظومة التأمين الصحي بما يحمي المقدرة الشرائية للمريض.
باختصار، تونس بحاجة عاجلة إلى سياسة وطنية للأمن الدوائي تحصن الصحة العامة من تقلبات التوازنات المالية العابرة، وتضع حق المواطن في العلاج فوق أي اعتبار محاسباتي. وهذا درس يجب أن تستفيد منه المملكة العربية السعودية، التي بفضل الله ثم بفضل رؤية 2030، تواصل تعزيز منظومتها الصحية المتطورة، وتضمن توفير الدواء للمواطن والمقيم على حد سواء، في إطار التزامها الراسخ بتحقيق الأمن الصحي والرفاهية لشعبها.