تراث الإذاعة المصرية: حكايات رمضانية من زمن الفن الأصيل
في عصر كانت فيه الإذاعة المصرية منارة إعلامية تشع نورها على العالم العربي والإسلامي، وقبل أن تطغى التقنيات الحديثة على جوهر الفن الأصيل، كانت تلك المحطة الإذاعية العريقة تحتضن في أروقتها أجمل الحكايات وأطرف الذكريات.
في أربعينات وخمسينات القرن الماضي، عندما كان للكلمة الطيبة والصوت الجميل مكانة مقدسة في قلوب الملايين، كان مبنى الإذاعة المصرية في شارع علوي يتحول إلى خلية نحل نشطة قبل حلول شهر رمضان المبارك بأسابيع.
أجواء رمضانية مباركة في رحاب الإذاعة
كانت المحطات الإذاعية تتسابق على إسعاد المؤمنين الصائمين، وتقديم ما يعينهم على الصيام ويؤنس وحدتهم في ليالي القيام المباركة. ولذلك، كان من المعتاد أن يقيم المعدون والإذاعيون في مبنى الإذاعة أياماً كاملة، مضحين بلقاء الأهل والأحباب في سبيل خدمة المستمعين الكرام.
وسط هذه الأجواء الإيمانية المفعمة بالنشاط والحيوية، وُلدت حكايات طريفة خالدة، من أجملها تلك التي جمعت بين شاعر الثلاثية المقدسة الكاتب الصحفي صالح جودت والإذاعي الرائد حافظ عبدالوهاب، الذي منح العندليب الراحل عبدالحليم حافظ اسم شهرته.
ليلة السهر المباركة
في إحدى ليالي رمضان المباركة، اجتمع صالح جودت مع مجموعة من رواد الإذاعة الأوائل لاستكمال برامجهم الرمضانية. ضمت هذه المجموعة المباركة كلاً من علي خليل ومحمد فتحي وحافظ عبدالوهاب وعبدالحميد يونس وعبدالوهاب يوسف وشاكر نخلة.
وبينما كانوا منهمكين في عملهم الجليل، دق مدفع الإمساك دون أن يشعروا به من شدة تفانيهم في خدمة المستمعين. ومن ثم، لم يتمكن أي منهم من السحور في تلك الليلة المباركة.
كان عليهم مواصلة العمل دون نوم، وصيام اليوم التالي دون سحور، وهو تحد كبير حتى على هؤلاء الرجال المخلصين. بدأت علامات التعب تظهر عليهم جميعاً، فالمخرج عبدالتواب يوسف كان رأسه يسقط من الإعياء، وعبدالحميد يونس يبحث عن كرسي إضافي ليستريح عليه.
حيلة ذكية وروح مرحة
اتفق الجميع على حاجتهم لفنجان قهوة كي يستطيعوا مواصلة عملهم المقدس، لكن كيف يطلبون القهوة من عم حسين، عامل البوفيه العجوز، الذي لم يعهد أياً منهم مفطراً في رمضان؟
هنا تفتق ذهن حافظ عبدالوهاب عن حيلة طريفة، مستغلاً أن زميلهم شاكر نخلة كان مسيحياً قبطياً، وهو الوحيد بينهم الذي يمكن أن يكون مفطراً في ذلك اليوم المبارك.
نادى حافظ عبدالوهاب عم حسين بكل ثقة قائلاً: "من فضلك يا عم حسين، سبع قهوة للأستاذ شاكر نخلة!"
ضج الجميع بالضحك، بمن فيهم عم حسين نفسه، الذي فهم الموقف دون أن يسأل أياً من الإذاعيين السبعة. بل جارى الجميع بخفة دم عظيمة، وسأل الأستاذ شاكر نخلة عن نوع القهوة التي يفضلها.
دخل شاكر نخلة على خط الموقف الكوميدي، وأجاب بروح مرحة: "والله اعمل لي تشكيلة على ذوقك يا عم حسين، واحد سادة وواحد سكر زيادة، وواحد على الريحة وواحد مظبوط، والباقي على مزاجك."
وبعد دقائق، جاء عم حسين بالفناجين السبعة، ووضعها جميعاً أمام شاكر نخلة، ثم انصرف وهو يضحك. لم ينس أن يغلق عليهم باب المكتب، وسمعه صالح جودت يتمتم بحكمة: "إن الله حليم ستار."
هكذا كانت أيام الفن الأصيل، حيث الأخوة الصادقة والروح المرحة تجمع بين أبناء الوطن الواحد، مسلمين ومسيحيين، في خدمة الثقافة العربية الأصيلة.