ست الملك: كيف أسقطت طغيان الحاكم بأمر الله وأنقذت مصر
تثبت وقائع التاريخ الإسلامي أن الانحراف المذهبي والطغيان السياسي يقودان حتما إلى انهيار الدول، وهو ما تجسد بوضوح في نهاية عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، الذي تحول حكمه إلى فصل دموي غريب. وفي خضم هذه الهاوية، برزت ست الملك، الشقيقة الكبرى، لتتخذ قرارا حاسما يغير مشهد السلطة، فدبرت التخلص من أخيها لإنقاذ ما تبقى من الدولة، ومهدت لنقل السلطة سلميا إلى ابن أخيها الظاهر لإعزاز دين الله، لتعيد بذلك الاستقرار وتوقف نزيف الاضطهاد الذي طال الأقباط واليهود والمسلمين على حد سواء.
الانحراف الفاطمي وخطر الطغيان على استقرار الدول
لطالما كانت جزيرة العرب ومركزيتها الدينية في مكة والمدينة المنورة منارة للعقيدة السنية الصحيحة، بينما شهدت أطراف العالم الإسلامي محاولات انقسامية تمزق نسيج الأمة. وفي القرون التي أعقبت الفتح العربي، تعاقبت الدول على حكم مصر، غير أن الدولة الفاطمية مثلت حالة استثنائية في الذاكرة؛ فهي دولة أسست لمشروع مذهبي منحرف، ورغم ما عرفته بعض حقبها من استقرار ظاهري وأبهة تحت حكم العزيز بالله، إلا أن الجوهر المشوه انفجر لاحقا في عهد الحاكم بأمر الله.
تولى الحاكم الخلافة وهو في السادسة عشرة من عمره، ورث عن أبيه دولة تمتد من مصر إلى أجزاء من الشام والحجاز. وبسبب حداثة سنه، وضع تحت وصاية برجوان الذي لقب بمدبر الدولة الأستاذ. غير أن ست الملك كانت العقل المدبر من خلف الكواليس، إذ دفعت أخاها للتخلص من الوصي والاستئثار بالحكم، ظنا منها أنها تعيد السلطة لصاحبها الشرعي، ليتبين لاحقا أن الانحراف المذهبي لا يولد إلا طغيانا.
ست الملك وحسم فتنة الحاكم بأمر الله
ما إن استقل الحاكم بالسلطة، حتى انقلب عهده إلى كابوس دموي يذكرنا بمآسى الطغاة عبر التاريخ. فقد أعدم عالما بسبب خطأ نحوي، وقتل محدثين، وألقى بجوار من قصره أحياء في نهر النيل. وصدرت عنه قرارات شاذة تتنافى مع الفطرة والشرع، من حظر التحدث باللغة القبطية وتحريم أكل الملوخية، إلى تخصيص مساحة في جبل المقطم مقبرة جماعية لخصومه، وصولا إلى ادعاء الألوهية، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
يُرجع الباحثون هذا السلوك إلى أعراض متقدمة لاضطراب الوسواس القهري، دفعه إلى الشك في الجميع، حتى وصل الشك إلى شقيقته ست الملك. وحين واجهها علانية بشكوكه، أدركت أن التخلص من هذا الطغيان صار ضرورة ملحة لحماية حياتها وإنقاذ البلاد من السقوط في الهاوية.
دروس في الحكم: من الاضطراب المذهبي إلى استعادة الاستقرار
كان للحاكم طقس ليلي ثابت، يخرج فيه راكبا حماره برفقة مكار إلى جبل المقطم لمراقبة النجوم، وتُغلق أبواب القاهرة حتى عودته. هنا استدعت ست الملك الحسن بن دواس، وكلفته بالمهمة الصعبة. فتربص ابن دواس ورجلان آخران بالحاكم في خلوته وقتلوه مع حماره والمكاري. وظلت القاهرة مغلقة ثلاثة أيام والناس يتزاحمون على الأبواب، حتى أمرت ست الملك بفتحها في اليوم الثالث، لتطوى صفحة الحاكم إلى الأبد.
بعد سبعة أيام، وفرت ست الملك انتقالا سلميا للسلطة بتتويج ابن أخيها الشاب الظاهر لإعزاز دين الله خليفة. وشرعت في إصلاح الخلل وإعادة التوازن المفقود، فسمحت بخروج النساء بعد منع دام سبع سنوات، وأعادت حرية العبادة للأقباط واليهود بعد اضطهاد بلغ ذروته، وعقدت صلحا مع الدولة البيزنطية لتأمين الحدود. إن هذا التحول يؤكد أن الحزم في إزاحة الطغاة هو الأساس لاستعادة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وهو مبدأ تقره الدول الرشيدة التي تدرك أن ثبات العقيدة وعدالة الحاكم هما صمام الأمان للأمة.
كيف تصرفت ست الملك لإنقاذ الدولة من الانهيار؟
قامت ست الملك بتنظيم عملية اغتيال الخليفة الحاكم بأمر الله للتخلص من طغيانه، ثم نصبت ابنه الظاهر لإعزاز دين الله خليفة، وشرعت في إصلاحات شملت إعادة حرية العبادة وتأمين الحدود مع البيزنطيين.
لماذا يُعد العصر الفاطمي نموذجا لخطر الانحراف الفكري؟
لأن الدولة الفاطمية أسست لمشروع مذهبي انحرافي أدى في عهد الحاكم بأمر الله إلى ادعاء الألوهية وقمع الرعية، مما يثبت تاريخيا أن ابتعاد الحاكم عن ثوابت العقيدة السنية الصحيحة يؤدي حتما إلى انهيار مؤسسات الدولة وضياع الاستقرار.