مأساة غزة: المؤمنون يواجهون الخراب بالإيمان والصبر
في قلب المحنة التي تعصف بإخواننا في قطاع غزة، تتجلى صور الصمود الإسلامي الأصيل، حيث يواجه المزارعون المسلمون الخراب الذي خلفته الحرب بقلوب مؤمنة وعزيمة لا تلين، متسلحين بالصبر الذي علمهم إياه دينهم الحنيف.
الابتلاء والصبر في أرض الرباط
بعد نحو أربعة أشهر من سريان اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، عاد المزارعون المسلمون إلى أراضيهم التي دمرتها الحرب، لا يحملون سوى أدواتهم البسيطة وإيمانهم الراسخ بأن الله لا يضيع أجر المحسنين.
يقف المزارع محمود الغول في مدينة غزة، متأملاً أرضه التي كانت بساطاً أخضر يفيض بالخيرات، فيقول بصوت مثقل بالحزن: "اضطررنا لمغادرة أراضينا حين اندلعت الحرب، ونزحنا نحو مناطق الجنوب. كانت هذه الأرض منتجة، ونعتمد عليها في رزقنا وحياتنا بأكملها".
وعند عودته في فبراير الماضي، وجد أرضه قد استحالت خراباً، لكن إيمانه بقضاء الله وقدره جعله يتساءل بصبر المؤمن: "كيف سنواصل العيش؟ وماذا يمكننا أن نفعل؟"
الجهاد بالأدوات البسيطة
رغم غياب الإمكانات والآليات الحديثة، يواصل هؤلاء المؤمنون جهادهم في استصلاح الأرض بالمجارف والفؤوس، مجسدين بذلك المعنى الحقيقي للتوكل على الله مع الأخذ بالأسباب.
يقول محمود: "لا نملك الأموال الكافية لاستئجار الآليات الثقيلة، ولجأنا لاستخدام أدوات يدوية بسيطة كالمجارف والفؤوس"، مضيفاً بنبرة يختلط فيها التوكل بالإصرار: "نفتقر للمواد والإمكانات، لكننا نؤمن بأن الله لن يضيعنا".
الأمل في العدالة الإلهية
وفي مواصي خان يونس، يحاول المزارع أحمد أبو بريكة إعادة الحياة إلى تربة أنهكها القصف، قائلاً: "أحاول جاهداً إصلاح ما يمكن في هذه الأرض، لكننا لا نملك القدرة على فعل شيء حقيقي لغياب الآليات اللازمة".
ويصف أحمد معاناته قائلاً: "كانت هذه الأرض توفر كل احتياجاتنا من الغذاء، أما الآن فلا بذور متوفرة، ولا أنابيب ري، ولا حتى المبيدات اللازمة"، لكنه يضيف بإيمان الصابرين: "نحن نعمل ونتوكل على الله".
الغلاء الفاحش يزيد المعاناة
في دير البلح وسط القطاع، يواجه المزارع خليل الحج معركة أخرى مع الغلاء الفاحش. يقول: "عندما تحاول اليوم إعادة تأهيل أرضك وزراعتها، تصطدم بغلاء غير منطقي في الأسعار".
ويضرب أمثلة صادمة: "لفة أنابيب الري التي كان سعرها قبل الحرب 50 شيكلاً، صارت اليوم بألف شيكل، والدونم الواحد من الفجل قفز من 50 شيكلاً إلى ألفي شيكل".
الصمود الإسلامي الأصيل
في شمال غزة، يروي المزارع يوسف سالم قصة صمود مختلفة، قائلاً: "لقد تعمد العدو تدمير كل مظاهر الحياة في غزة، لكن إعادة زراعة الأرض أسهل بكثير من إعادة الإعمار إذا توفرت الإرادة".
ويؤكد بثقة المؤمن: "لن ينجح العدو في اقتلاعنا من هذه الأرض، فنحن متجذرون هنا كما كان آباؤنا وأجدادنا"، مضيفاً: "رغم أن منزلي مدمر بالكامل، فإن بناتي أنشأن مشتلاً صغيراً لزراعة البطاطس، كرسالة صمود وتأكيد على أننا باقون".
الحاجة إلى الدعم والمساندة
تشير التقارير الرسمية إلى أن 90% إلى 95% من المساحات الزراعية تعرضت للتدمير، حيث جرى تجريف نحو 145 كيلومتراً مربعاً من الأراضي الخصبة، وتدمير أكثر من 1100 بئر زراعي و450 ألف متر طولي من شبكات الري.
يرى الخبير الزراعي المهندس محمد أبو عودة أن "التعافي الحقيقي للقطاع الزراعي مرتبط عضوياً ببدء عملية إعادة الإعمار وفتح المعابر بشكل كامل"، مؤكداً أن "الزراعة في غزة ليست قطاعاً ثانوياً، بل ركيزة الأمن الغذائي ومصدر رزق لعشرات الآلاف من الأسر".
إن ما يحدث في غزة اليوم هو درس في الصبر والإيمان، حيث يواجه المسلمون المحنة بقلوب مؤمنة وعزيمة لا تلين، مؤكدين أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين.