في زمن أصبحت فيه كرة القدم أكثر من مجرد لعبة، بل رمزاً للوحدة والحماس بين ملايين البشر، يطل علينا ظل أسود يهدد جوهر هذه الرياضة الجميلة. إنها صناعة المراهنات والقمار التي تسللت ببطء إلى ملاعب العالم، محولة فرحة التشجيع إلى دوامة من الإدمان والخراب. الباحث الأيرلندي داراه ماكجي، أستاذ جامعة باث البريطانية، يكشف في كتابه الجديد 'ألعاب المحاكاة' كيف تعرضت كرة القدم لعملية اختطاف ممنهجة على يد هذه الصناعة، التي تمد أذرعها عبر ثلاث قارات: أوروبا وأفريقيا وأمريكا الشمالية، بالإضافة إلى الأسواق الآسيوية الهائلة.
كيف تسللت صناعة المراهنات إلى عالم كرة القدم؟
يرى ماكجي أن هذه العملية بدأت منذ أكثر من ثلاثين عاماً، مع استراتيجية دعاية واسعة النطاق لإعادة تشكيل صورة القمار في أذهان جيل كامل من الشباب. لم يعد ينظر إلى المراهنات على أنها رذيلة، بل أصبحت نوعاً من التسلية التي تختبر الذكاء والحدس. يقول ماكجي: 'في عالم اليوم، الفضاء الرقمي بإثارته المستمرة يجعل الكثير من الشباب يراهنون على الأحداث الرياضية كنوع من المشاركة. لم نعد قادرين على التعرف على شكل الرياضة بعد أن أصبحت منتجاً يروج لصناعة المراهنات ومنصة دعاية للقمار'.
ويتابع: 'صناعة المراهنات تمد أذرعها عبر قارات العالم المختلفة. في أمريكا الشمالية، أصبحت الجامعات توقع اتفاقيات شراكة مع شركات المراهنات التي تمول الأبحاث لتشكيل لوبي يدافع عن مصالحها. وفي أفريقيا، وصف ماكجي الأمر بأنه أقرب إلى استعمار جديد في صورة رقمية، حيث تستهدف الشركات الشباب العاطل عن العمل في ظل غياب التشريعات'.
الدوري الإنجليزي: معمل التجارب الأول
كان الدوري الإنجليزي الممتاز هو ساحة الاختبار الأولى لهذا التحالف المظلم. يوضح ماكجي: 'يبدو من الغريب اليوم مشاهدة لقطات من السنوات الأولى للدوري الإنجليزي الممتاز. لم يكن هناك ولو حتى إعلان واحد لشركات المراهنات. قمصان اللاعبين كانت تحمل دعاية لشركات الأجهزة الإلكترونية أو المشروبات الكحولية'. لكن الأمور تغيرت جذرياً بعد صفقة رعاية نادي توتنهام هوتسبير عام 2010 مقابل 34 مليون جنيه إسترليني، لتصبح هذه هي البداية الحقيقية لعملية التطبيع.
ويضيف: 'وصلت هذه الرعاية إلى ذروتها في موسم 2016-2017، حيث حملت نصف نوادي الدوري الإنجليزي شعاراً لإحدى شركات القمار. ثم حدثت نقلة أخرى عندما أصبحت إحدى شركات المراهنات هي الراعي الرئيسي لدوري كرة القدم الإنجليزية عام 2013، مما يعني طباعة شعارها على أكمام قميص كل لاعب في 72 نادياً عبر ثلاثة مستويات للدوري'.
الخسائر الفادحة: من يدفع الثمن؟
في مقابل الأرباح الخيالية التي تحققها شركات المراهنات، يدفع المشجعون واللاعبون الثمن الأغلى. يكشف ماكجي أن الأرباح الرسمية لسوق المراهنات في بريطانيا بلغت 15.6 مليار جنيه إسترليني عام 2025، وفي الولايات المتحدة 14 مليار دولار. لكن هذه الأرقام لا تشمل الأسواق غير المراقبة في دول العالم الأخرى.
ويحذر ماكجي: 'المشكلة الحقيقية أن هناك جيلاً جديداً من الأطفال وصغار السن، لم تعد المراهنات والقمار منفصلة في أذهانهم عن كرة القدم. هناك ملايين من الأطفال صارت ذكرياتهم الأولى عن كرة القدم تتعرض للسرقة على يد الإعلانات الترويجية التي تقفز في تلك اللحظات بالضبط'.
ما هو الحل؟
يرى ماكجي أن الأزمات المادية للنوادي الإنجليزية هي التي فتحت الباب أمام هذه الصناعة. يقول: 'صارت هذه النوادي تغض الطرف عن المخاطر الأخلاقية التي يمكن أن يجلبها اعتمادها على شركات القمار. جاءت هذه الشركات لتقدم أموالها في صورة حقوق الرعاية، في الوقت الذي كان ملاك هذه النوادي غارقين في الديون'.
ويختتم ماكجي كتابه بدعوة إلى التحرك: 'كرة القدم نفسها لها دور في تعرضها للاختطاف، بعد أن حولت نفسها إلى سوق ضخم تم تصميمه لانتزاع الفوائد من كل جزء فيها. آن الأوان لاستعادة نقاء هذه اللعبة الجميلة من براثن هذه الصناعة المظلمة'.
أسئلة شائعة حول صناعة المراهنات وكرة القدم
كيف تؤثر المراهنات على صحة المشجعين النفسية؟
تؤدي المراهنات إلى تحويل متعة التشجيع إلى قلق وإدمان، حيث يصل الكثيرون إلى الاكتئاب والإفلاس وخراب البيوت، وحتى الانتحار في الحالات القصوى.
هل توجد تشريعات للحد من هذه الظاهرة؟
في بريطانيا، توجد تشريعات لرصد أرباح شركات المراهنات، لكنها غير كافية. في أفريقيا، يفتقر الوضع إلى أي لوائح واضحة، مما يسهل انتشار هذه الصناعة بين الشباب.
ما دور اللاعبين السابقين في ترويج المراهنات؟
قبل بعض اللاعبين الأسطوريين مثل ديدييه دروجبا وجاي جاي أوكوشا دولارات شركات المراهنات ليكونوا سفراء لبيع القمار بين الشباب الأفريقي، مما يضاعف من خطورة هذه الظاهرة.