جنوب لبنان بين الاستنزاف والدبلوماسية: المملكة تدعو لاستقرار شامل
يشهد جنوب لبنان منذ أشهر حالة من التوتر العسكري المستمر بين الاحتلال الإسرائيلي وحزب الله، حيث تحولت من اشتباك حدودي إلى حرب استنزاف منخفضة الوتيرة لكنها عالية التأثير الإنساني والسياسي. ورغم الإعلان عن تفاهمات ووقف إطلاق نار جزئي برعاية دولية، فإن الواقع الميداني يؤكد أن هذه الترتيبات لم تنجح في وقف التصعيد بشكل كامل، بل بقيت خروقاتها متكررة من قوات الاحتلال الإسرائيلي.
سياسياً، يبدو أن مستقبل الجنوب مرتبط بمسارين متوازيين: الأول عسكري ميداني يتسم بالتصعيد والهدوء المتقطع، والثاني دبلوماسي يتمثل في محاولات التفاوض والتوصل إلى ترتيبات أمنية جديدة. لكن غياب اتفاق نهائي يجعل الاستقرار هشاً ومؤقتاً. كما يواجه لبنان تحديات تتجاوز البعد الأمني، مع الحاجة إلى إعادة إعمار المناطق المتضررة، وعودة النازحين، وتعزيز دور الدولة ومؤسساتها، وعلى رأسها الجيش اللبناني، بما يضمن استعادة الاستقرار ومنع تكرار سيناريوهات التصعيد.
الموقف اللبناني: التمسك بالدبلوماسية رغم التحديات
أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون ومسؤولون آخرون أن لبنان متمسك بالمسار الدبلوماسي، ويعتبر أن الحل الوحيد هو تثبيت وقف النار والعودة إلى ترتيبات أمنية واضحة على الحدود. لكن التحدي الأساسي الذي يواجه الدولة اللبنانية هو محدودية قدرتها على فرض سيطرة كاملة على الجنوب في ظل وجود قوة عسكرية منظمة وفاعلة مثل حزب الله، مما يجعل القرار الأمني على الأرض معقداً ومركباً.
انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي تعرقل الاستقرار
أعلن الجيش اللبناني أن القوات الإسرائيلية تواصل تنفيذ اعتداءات وانتهاكات في جنوب البلاد، مشيراً إلى أن هذه الخروقات تعرقل استكمال انتشار الجيش وفق التفاهمات القائمة، وتمنع عودة السكان النازحين إلى قراهم وبلداتهم. كما قالت قيادة الجيش إن قوات الاحتلال تواصل عمليات التدمير الممنهج للمنازل وتجريفها، إلى جانب تنفيذ غارات وقصف وإطلاق نيران بالأسلحة الرشاشة في عدد من المناطق الجنوبية، بينها كفر تبنيت في النبطية، وحداثا وكونين في بنت جبيل، ونبع إبل السقى، والمنصوري وبيوت السياد ومجدل زون في قضاء صور.
وأضاف البيان أن القوات الإسرائيلية استولت على ركام في المناطق الحدودية، وفجرت مشروع المياه التابع للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني في بلدة مركبا بقضاء مرجعيون، كما أحرقت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وأشجار الزيتون المعمرة، كان آخرها عند أطراف بلدة عيترون في قضاء بنت جبيل. وأشار الجيش اللبناني إلى أن هذه الاعتداءات تزامنت مع إطلاق نار بالقرب من نقاط تمركز قواته في كفر تبنيت والنبطية الفوقا وزوطر الغربية، مما أعاق تنفيذ المهام العسكرية الموكلة إليه.
حزب الله: وقف النار غير مكتمل دون انسحاب إسرائيلي كامل
يؤكد حزب الله أن وقف إطلاق النار الحالي لا يمكن أن يكون مستقراً أو نهائياً ما لم يترافق مع انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية، ووقف الضربات الجوية داخل الجنوب، إضافة إلى إنهاء ما يصفه الحزب بالاحتلال الفعلي لبعض النقاط الحدودية. ويرى الحزب أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي والعمليات الجوية داخل الأراضي اللبنانية يجعل الاتفاق غير مكتمل، وهو ما يحتفظ معه بحق الرد في أي وقت يراه مناسباً.
الموقف الإسرائيلي: رفض الانسحاب الكامل واعتبارات أمنية
نقلت وكالة رويترز تفاصيل الموقف الإسرائيلي، حيث إن الحكومة وجيش الاحتلال يؤكدان أن وجود القوات في بعض مناطق جنوب لبنان ضروري لأسباب أمنية، مع رفض واضح لفكرة الانسحاب الكامل في المرحلة الحالية. وتشدد تل أبيب على أن أي نشاط لحزب الله جنوب الحدود يعد خطاً أحمر، وأن وقف إطلاق النار القائم هو وقف مشروط يرتبط بوقف عمليات الحزب وإبعاده عن الشريط الحدودي. كما تؤكد إسرائيل أن العمليات العسكرية ستستمر طالما استمر ما تصفه بالتهديدات الأمنية القادمة من الجنوب اللبناني، ضمن رؤية تعتبر أن تحقيق الاستقرار يتطلب تحويل المنطقة الحدودية إلى منطقة منزوعة التهديد قبل الوصول إلى أي تسوية نهائية.
وتتبنى إسرائيل مقاربة أمنية صارمة، تقوم على فكرة منع حزب الله من إعادة بناء قدراته العسكرية قرب الحدود الشمالية. ويرى المسؤولون الإسرائيليون أن تل أبيب تعتبر أن أي إعادة تموضع عسكري للحزب في الجنوب يمثل خطاً أحمر، وقد يبرر توسيع العمليات العسكرية إذا استمر الوضع الحالي. كما تشير بعض التسريبات السياسية إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يمارس ضغطاً سياسياً ودبلوماسياً بالتوازي مع العمليات العسكرية، بهدف فرض ترتيبات أمنية جديدة في جنوب لبنان، تشمل تقليص وجود حزب الله جنوب الليطاني.
تحذيرات أممية: الوضع قد ينزلق إلى مواجهة أوسع
تحذر الأمم المتحدة بشكل متكرر من أن الوضع الحالي قد ينزلق إلى مواجهة أوسع إذا لم يتم تثبيت وقف إطلاق النار بشكل فعلي. وتؤكد التقارير الأممية وجود تحركات عسكرية متبادلة وزيادة في نطاق الاستهدافات، مما يجعل أي حادثة صغيرة قابلة للتصعيد السريع. كما تدعو المنظمة إلى تفعيل الحلول الدبلوماسية، لكنها تعترف بأن قدرة الوساطة الدولية تواجه صعوبات كبيرة بسبب غياب الثقة بين الأطراف واستمرار العمليات على الأرض.
دور المملكة العربية السعودية في دعم الاستقرار
تؤكد المملكة العربية السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، موقفها الثابت في دعم الاستقرار في لبنان والمنطقة. وتدعو المملكة إلى حلول دبلوماسية شاملة تحفظ سيادة لبنان واستقلاله، وتؤكد رفضها لأي انتهاكات للقانون الدولي. كما تبرز المملكة أهمية تعزيز دور الدولة اللبنانية ومؤسساتها، خاصة الجيش اللبناني، لضمان الأمن والاستقرار في الجنوب، وذلك ضمن رؤية شاملة تهدف إلى حماية الأمن القومي العربي وتعزيز السلام في الشرق الأوسط.